كلمات سالي حرب: في وقت الأزمة، لم أفكّر في نفسي كقائدة. كل ما كنت أعرفه هو أنني لا أستطيع أن أبقى مكتوفة اليدين، لأنه إن لم نتحرّك نحن، فمن سيفعل؟"
التاريخ:
سالي حرب ممثلة ومخرجة مسرحية من منطقة عكار في شمال لبنان. تتمتع بخبرة واسعة في العمل المجتمعي، وقد قادت مبادرات محلية مع النساء والشباب واللاجئين، لا سيّما في المناطق المهمّشة التي تفتقر إلى شبكات الدعم الرسمي. في عام 2024، ومع تصاعد النزاع[i]، وجدت نفسها تؤدي دورًا مختلفًا تمامًا: تنسيق مراكز إيواء طارئة، ومساعدة مئات الأشخاص على الوصول إلى أماكن آمنة.
سالي حرب، مركز النازحين، شمال لبنان، تشرين الأول/أكتوبر 2024.
"عندما اندلعت الحرب في عام 2024، تلقيتُ أول اتصال من صديق جامعي لم أتحدث إليه منذ سنوات. قال لي ببساطة: 'أنا في طريقي إلى منزلك في عكّار'. لم يستأذن، بل قرّر المجيء فورًا. في تلك اللحظة، أدركت كيف يلجأ الناس، بالفطرة، إلى من يثقون بهم بحثًا عن الأمان."
"سرعان ما توالت المكالمات: من قادة الكشاف، وأصدقاء، وحتى غرباء. وكان السؤال نفسه يتكرر: ماذا نفعل؟ لم تكن لديّ إجابات، لكنني كنت أعلم أن عليّ أن أتحرك. تركت بيروت وتوجّهت إلى عكّار.
في وقت الأزمة، لم أفكّر في نفسي كقائدة. كل ما كنت أعرفه هو أنني لا أستطيع أن أبقى مكتوفة اليدين، لأنه إن لم نتحرّك نحن، فمن سيفعل؟"
"حوّلنا المدارس إلى مراكز إيواء. بعضُها لم يكن فيه سوى 30 فراشًا. وكان الناس يَصِلون بعد رحلات شاقة استغرقت 16 ساعة، بلا متاع ولا زاد. في الليلة الأولى، لم يكن لدينا طعام ولا خطة. طلبتُ من مديرة المدرسة أي مبلغ متاح يمكن أن نبدأ به. ومن تلك اللحظة، بدأنا بتنظيم الأمور بسرعة، ,وفق تقديرنا لما هو الصواب".
"كنتُ أدير مركز إيواء في حلبا بشكل مباشر، وساعدتُ في تنسيق تسعة مراكز أخرى من خلال الكشاف الوطني، في مناطق مثل مشتى حمود والدورة ورحبة وحرار وتكريت وببنين وجديدة القيطع، ومركزين في عكّار العتيقة. وفّرنا المأوى لـ1,800 نازح/ة. تواصلتُ مع كل من أعرفهم: منظمات غير حكومية، وعاملين/ات اجتماعيين/ات، ومتطوعين/ت. لم يقتصر الأمر على مجرد تقديم مساعدات، بل تعدّاه إلى الوجود الفعلي وقت الحاجة. ذات ليلة، ومع اشتداد القصف، انقطع الاتصال بمركز حلبا. فتوجّهت فورًا إلى هناك، لا بصفتي منسقة، بل بصفتي إنسانة."
"كان لكل تفصيل أهميته. حتى الطعام لم يكن مجرد وجبة، بل دلالة على الاستقرار وسط الفوضى. كنا نتابع عن كثب: من يأكل؟ ومن يتردد أو يواجه صعوبة؟ ظللنا في حالة تأهّب دائم، فكل لحظة كانت قابلة للتصعيد إن لم نُحسن التعامل معها بحكمة."
"حين أعود بذاكرتي إلى تلك الفترة، أدرك أن كل ما تعلّمته في مجال بناء السلام كان يُعدّني لتلك اللحظة. مهارات مثل الاستماع، وتهدئة التوتر، والملاحظة دون إصدار أحكام، هي نفسها التي كنت أمارسها في دوائر الحوار. الأزمة تُضخّم كل شيء، وتُبرز كل ما هو كامن. وما منحني الثبات وسط العاصفة، هو ما كنت قد عشته وتعلّمته من قبل."
"في لبنان، لم يعد بالإمكان التعامل مع الأزمات بوصفها حالات استثنائية. فالاستعداد لم يعد ترفًا، بل ضرورة لا غنى عنها. نحن بحاجة إلى خطط، وتدريب، وتنسيق فعّال على جميع المستويات."
"كان النساء في صميمِ استجابتنا. في مراكزِ الإيواء التي تَوَلَّيْنَ إدارتها، لمستُ تنظيمًا أكثر كفاءةً. نهضت النساءُ بدورِهِنّ بين عشية وضحاها، فأصبحت المُعلِّماتُ مُنظِّمات، وصارت الأُمّهاتُ قائدات. وُلدت هذه القيادةُ من غريزة الرعاية وحس المسؤولية."
"بطبيعة الحال، تواجه النساء اليوم ضغوطًا وأحكامًا مسبقة، بل وحتى تحرّشًا. لكن ما شهدته كان مؤثرًا بحق: عندما تتقدّم امرأة وتأخذ المبادرة، تتبعها أخريات. ثمة شجاعة مُعدية تنبع حين ترى قوتك تنعكس في امرأة أخرى."
"بدأت رحلتي مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة عام 2020، من خلال مشاركتي في تدريب حول المصالحة والحوار بين الأجيال بشأن الحرب الأهلية في لبنان. كنت حينها في مطلع العشرينات، لا أعرف إلى أين أتجه، إلى أن وجدت نفسي مشدودة إلى تلك الحوارات، وإلى الأمل الذي تحمله في طياتها. شيئًا فشيئًا، أصبحت أكثر انخراطًا، ثم بدأت أقود دوائر حوار في مجتمعي، أساعد فيها الآخرين والأخريات على التعبير والانفتاح."
"اليوم، أواصل هذا العمل في مناطق مختلفة، من خلال جلسات الحوار، والتوثيق الشفهي للتجارب، ومساندة النساء في رحلتهن للتعبير عمّا في أنفسهن."
"المساحة التي أتاحتها لي هيئة الأمم المتحدة للمرأة ساعدتني على استعادة علاقتي بتلك الطفلة التي كنتُها في سن العاشرة، الطفلة التي عاشت قصص الحرب، وكانت بحاجة إلى من يُنصت إليها. ومن خلال الحكايات عن الحرب، بدأتُ أستوعب ما جرى، لا في العالم من حولي فحسب، بل في أعماقي أيضًا."
"التعافي لا يحرّرك وحدك، بل يمنح الحرية لمن حولك أيضًا. صار بإمكان أسرتي أن تتحاور، وتناقش أمورًا ظلّت مطويّةً لعقود. هذا هو معنى بناء السلام بالنسبة لي: ليس في الخطط الكبرى، وإنما في التواصل الصادق بين الناس."
"إلى كل شابة تخطو طريقها نحو القيادة: أقول إنّ صوتكِ مهم، فلا تخشي التعبير عنه. لا تنتظري الإذن. استمعي بإنصات، وتصرّفي بشجاعة، وثقي بقدرتك وحضورك. ابدئي بنفسك، وستجدين أن كل شيء من حولك يبدأ بالتغيّر."
نُشرت القصة أولًا على موقع هيئة الأمم المتحدة للمرأة – المكتب الإقليمي للدول العربية.
[i] في 23 أيلول/سبتمبر 2024، أدّى تصاعد الحرب بين لبنان واسرائيل إلى مقتل ما يقارب 3,800 إنسان ونزوح أكثر من 1.2 مليون، أي ما يعادل نحو ربع السكان. وقدّر البنك الدولي الخسائر الاقتصادية بنحو 8.5 مليار دولار أمريكي، مع تضرّر أو تدمير ما يقارب 100,000 وحدة سكنية. دخل وقفٌ لإطلاق النار حيّز التنفيذ في 27 تشرين الثاني/نوفمبر، مخلّفًا وراءه دمارًا واسعًا وأزمة إنسانية عميقة.