على لسان سميرة الشناوي، الطاهية في المطبخ المجتمعي في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين: «مساعدة المحتاجين فرحة لا تعادلها فرحة»

التاريخ:

سميرة الشناوي، لاجئة فلسطينية من مخيم البداوي (الواقع على بعد 5 كيلومترات شمال شرق مدينة طرابلس في شمال لبنان)، هي أم لثلاثة أطفال، ومتطوعة في المطبخ المجتمعي داخل المخيم. وهذا المطبخ هو أحد أربعة مطابخ مجتمعية تعد وجبات ساخنة للنازحين/ات[1] في إطار مشروع تابع لهيئة الأمم المتحدة للمرأة يوفر سبل العيش في حالات الطوارىء والحماية للنازحات من جنوب لبنان، ونّفذه المنتدى المجتمعي للتمكين والتنمية (Initiate)، بتمويل من وكالة التنمية النمساوية. يقوم نساء متطوعات بإدارة وتشغيل هذه المطابخ التي قدمت خدماتها لـ 1200 شخص يومياً على مدى شهر كامل، ما يسلط الضوء على الدور الرئيس الذي يلعبه نساء أمثال سميرة، كمستجيبات في الخطوط الأمامية، في ظل النزوح الكثيف الناجم عن التصعيد الأخير الذي شهده لبنان.

كانت سميرة مترددة في خطواتها الأولى داخل المطبخ 

The community kitchen in action, serving dignity one meal at a time. Photo: INITIATE

المطبخ المجتمعي أثناء العمل. يقدم بكل احترام الوجبة تلو الأخرى. الصورة: المنتدى المجتمعي للتمكين والتمنية (Initiate)

«في البداية، كنتُ خائفة. فأنا جديدة هنا، وحولي نساء يقمن بهذا العمل منذ سنوات. شعرت أنني لن أضيف الكثير إلى ما يقدمنه. ولكن مع مرور الوقت، ازدادت ثقتي بنفسي. والآن، أشعر أنني جزء لا يتجزأ من الفريق. أصبح المطبخ مكاناً ألجأ إليه هرباً من الضغوط. هنا يمكنني أن أتواصل مع الآخرين والأخريات. في الواقع، أشعر هنا وكأنني في بيتي.

لطالما أحببت أن أطبخ، لذلك فكرت، لماذا لا أستخدم هذه المهارة في خدمة المجتمع؟ شعرت أن الطبخ بالنسبة للعديد من الأسر المحتاجة، وليس فقط بالنسبة لأسرتي، أمر يستحق العناء. وقد شجعتني قصص روتها لي صديقة كانت متطوعة في مطبخ رمضان[2]. كانت تخبرني عن مدى سعادتها وشعورها بالرضا عن العمل هناك، وكيف كانوا جميعاً كأسرة كبيرة. وقد ألهمتني تجربتها كي أجرب ذلك بنفسي.

عندما بدأت العمل، كنت معتادة على إعداد الطعام لعائلتي الصغيرة فقط. فجأة، أصبحت مسؤولة عن إعداد الطعام لعشرات العائلات. كان الأمر مرهقاً، لكن دعم النساء الأخريات ساعدني على تعزيز ثقتي بنفسي. بفضلهن استطعت أن أُخرج أفضل ما بداخلي.

في إحدى المرات، سمعتُ بالصدفة مجموعة من الأشخاص يتحدثون عن الطعام. عندما أخبرتهم أنني إحدى الطهاة، صُدموا. قالوا: «من المستحيل ألا يكون هذا الطعام من إعداد طهاة محترفين. إنه لذيذ جداً». بقيَت تلك اللحظة محفورة في بالي  والحال انها تذكرني بوقع ما نقوم به.

أحيانًا، أقوم بتوصيل الوجبات بنفسي، لأخفف العبء عن أعضاء الفريق الأصغر سناً، الذين غالباً ما ينتابهم الإرهاق. هذه طريقتي للمساهمة بشيء آخر إلى جانب الطهي. قبل أن أنضم إلى العمل التطوعي، كنت أعتبر دوري محصورًا بصفتي ربة منزل. لكن المطبخ كشف لي مهارتي وقربني من الناس. علمني التعاطف مع احتياجاتهم ومنحني الإحساس بالجدوى.

سميرة الشناوي

متطوعات يعملن معاً لتلبية الاحتياجات الغذائية اليومية في المخيم. الصورة:  INITIATE
 

لقد أخرجني العمل التطوعي من منطقة الراحة. التقيت بأشخاص لديهم أفكار وقصص مختلفة، فساعدني ذلك على النضج كإنسانة. لا يتعلق الأمر بالعمل فقط، بل بكونك جزء من شيء أكبر. العمل التطوعي تجربة رائعة. إنه العطاء الذي لا يمكن للمال أن يقدمه، وهو يغمر القلب والروح، ويطور المهارات، ويربطنا بأشخاص رائعين. مساعدة المحتاجين فرحة لا يعادلها فرحة.

يأتي العديد من [النازحين والنازحات] دون أي شيء – ولا حتى مكان للإقامة. تتكدس العائلات في منازل صغيرة، وتتشارك الفرش والأغطية. ويعتبر الطعام مشكلة كبيرة لأن الغالبية لا تستطيع تحمل تكاليفه. قد يبدو توفير وجبة يومية أمراً بسيطاً، ولكنه يعني الكثير لهذه العائلات. فهو يساعدها على الحفاظ على كرامتها في وقتٍ عصيبٍ للغاية.

نحلم بأن يكون لدينا مطبخ حديث ومجهز بالكامل. نعتمد حالياً على التبرعات الفردية، ما يصعّب علينا الحفاظ على حجم العمليات. إن استطاعت المنظمات تقديم التمويل اللازم، فسنتمكن من تحقيق إنجازات أكبر بكثير.


[1] لجأت نحو 800 عائلة إلى مخيم البداوي ومحيطه، لكن بعضها انتقل لاحقاً إلى مخيم نهر البارد حيث توجد مراكز إيواء دائمة تابعة للأونروا. وبقيت نحو600 عائلة نازحة في مخيم البداوي.

[2] مطبخ رمضان الذي يقيمه النادي الثقافي الفلسطيني العربي، شريك INITIATE، هو مطبخ مجتمعي يقدم وجبات الإفطار للأسر الأكثر احتياجاً في المخيم خلال شهر رمضان المبارك. كما يعمل المطبخ خلال الأزمات حسب الحاجة.