النساء والفتيات يحملن مسؤولية تماسك الأسر وسط تداعي كل شيء حولهن

التاريخ:

منذ بداية آذار 2026، اضطرت عشرات الآلاف من الأسر1 في جنوب لبنان والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت إلى الفرار من منازلها دون سابق إنذار، بحثًا عن الأمان. ومع تجدّد الأعمال العدائية في البلاد، غادر كثيرون/ات خلال دقائق، حاملين/ات معهم/ن ما تيسّر فقط.، تاركين منازلهم وممتلكاتهم وأدويتهم خلفهم/ن. وبينما تمكّنت بعض الأسر النازحة من العثور على مركز إيواء مؤقت، اضطر آخرون إلى النوم في السيارات أو في الأماكن العامة. ومع انخفاض درجات الحرارة وارتفاع تكاليف المعيشة، تتفاقم يومًا بعد يوم، خطورة تعرضهم/ن للخطر.

 

في صميم هذه الأزمة المتجددة، إنّ النساء والفتيات، اللواتي يشكّلن أكثر من نصف النازحين داخلياً2، يواجهن أعباء مضاعفة لحماية أسرهنّ وسط حالة من عدم اليقين والاكتظاظ ومحدودية الوصول إلى الخدمات الأساسية.

في خلدة، في قضاء الشوف، تحوّلت الجامعة الإسلامية في لبنان إلى مركز إيواء طارئ يستضيف مئات النازحين والنازحات، وحيث النساء يشكلّن أكثر من 70 في المائة من المقيمين. في الداخل، جرى تحويل مكتب الاستعلامات إلى عيادة صغيرة، يقدّم فيها الدكتور علي حسين عون (63 عاماً)، وهو جرّاح كلى ومسالك بولية ومتخصص في علاج العقم، استشارات طبية للعائلات النازحة رغم شحّ الموارد. ويقول: "أشعر بما يمرّون به لأنني أنا أيضاً نازح من صور. هذه هي المرة السابعة التي أُهَجّر فيها من منزلي". 

 

Dr. Ali Hussein Aoun provides medical consultations to displaced families inside a makeshift clinic in a shelter, continuing his work despite being displaced himself.

يقدّم الدكتور علي حسين عون استشارات طبية للأسر النازحة داخل عيادة مؤقتة في أحد مراكز الإيواء، مواصلاً عمله رغم نزوحه هو أيضاً. الصورة: هيئة الأمم المتحدة للمرأة /  جورج روكز

في مراكز الإيواء المختلفة، تحوّلت الصفوف والقاعات إلى مساحات معيشة مشتركة. وفي بعض الحالات، تقيم عائلات بأكملها في غرفة واحدة، أو تفصل بينها حواجز مؤقتة، ما يجعل الخصوصية شبه معدومة. وتنام العائلات جنباً إلى جنب على فرش رقيقة على الأرض، في ظروف معيشية قاسية تؤثر بشكل غير متناسب على النساء والفتيات.

Dr. Daad Azzi, President of the Chouf Development Association, supports displaced families across shelters in the Chouf region, highlighting the urgent needs and resilience of women and girls facing

الدكتورة دعد قزّي، رئيسة جمعية الشوف للتنمية، تدعم  الأسر النازحة في مراكز الإيواء في مختلف أنحاء منطقة الشوف، مسلّطة الضوء على الاحتياجات العاجلة وصمود النساء والفتيات في مواجهة التحديات. الصورة: هيئة الأمم المتحدة للمرأة / جورج روكز
 

وبحسب الدكتورة دعد قزّي (44 عاماً)، رئيسة جمعية الشوف للتنمية، وهي منظمة محلية تقدّم الدعم الطبي والنفساني والاجتماعي لأكثر من 9,000 نازح ونازحة في 11 مركز إيواء في منطقة الشوف، لم تعد العديد من الأسر قادرة على تلبية احتياجاتها الأساسية.

وتقول الدكتورة قزّي: "والحال أن النساء يضعن رفاه أطفالهنّ فوق كل اعتبار، على حساب صحتهنّ واحتياجاتهنّ حتى، رغم قسوة الظروف. فقد اضطرت الكثيرات إلى الفرار خلال دقائق مع أطفالهنّ، وغالباً من دون الأزواج أو الآباء، وهنّ اليوم يتحمّلن أعباءً متزايدة في رعاية أسرهنّ داخل مراكز إيواء مكتظة، مع محدودية شديدة في الوصول إلى الخدمات الأساسية."

كما أن الوصول إلى الأدوية الخاصة بالأمراض المزمنة مايزال محدوداً، فيما تندُر مستلزمات النظافة الأساسية للنساء والفتيات. وتفتقر العديد من مراكز الإيواء إلى مرافق ملائمة، حيث تتشارك عدة عائلات حماماً واحداً، مع محدودية في الوصول إلى المياه الساخنة. ولا تزال الملابس الشتوية والبطانيات، إلى جانب المساحات الآمنة والخاصة، لا سيما للحوامل والأمهات الجدد، غير كافية.

وتُسلّط قزّي الضوء على الأثر النفساني المتفاقم على الأسر النازحة، قائلة:"إلى جانب المعاناة الظاهرة، تتزايد الحاجة إلى خدمات الدعم النفساني والاجتماعي لمساندة النساء والفتيات والأطفال على التكيّف مع صدمات النزوح والنزاع، لا سيما أن العديد من الأسر نزحت للمرة الثانية خلال أقل من عامين. إن الخوف من فقدان كل شيء، منازلهم، وسبل عيشهم، وإحساسهم بالاستقرار، حاضر بشكل دائم. وتتحمّل النساء هذا العبء فيما يشهدن تزايد مظاهر الضيق النفساني لدى أطفالهن، بما في ذلك القلق وصعوبات في النطق".

 

Roueida Dakdouki, General Director of the Chouf Development Association, speaks with a displaced woman in a shelter, listening to her concerns and supporting women facing the daily realities of displacement.

 رويدة الدقدوقي، المديرة العامة لجمعية الشوف للتنمية، تتحدّث مع امرأة نازحة في أحد مراكز الإيواء، تستمع إلى همومها وتدعم النساء في مواجهة تحديات النزوح اليومية. الصورة: هيئة الأمم المتحدة للمرأة / جورج روكز
 

الأثر النفساني للنزوح على النساء والفتيات


لم تعد هذه الأزمة تقتصر على كونها أزمة إنسانية، بل تحوّلت إلى حالة طوارئ في مجال الصحة النفسية، ما يستدعي استجابة عاجلة تشمل خدمات دعم نفساني واجتماعي متخصصة للأطفال ومقدّمي/ات الرعاية. ويزداد الأثر النفساني للنزوح وضوحاً يوماً بعد يوم، لا سيما لدى النساء والفتيات المراهقات.

وتشير رويدة الدقدوقي (43 عاماً)، المديرة العامة لجمعية الشوف للتنمية، إلى أن الفرق الطبية رصدت ارتفاعاً ملحوظاً في مستويات التوتر والقلق بين النساء والفتيات، خصوصاً في مرحلة المراهقة المبكرة، وفي بعض الحالات، أدى ذلك إلى زيادة الاعتماد على الأدوية المضادة للاكتئاب. وتوضح: "طلبت فتاة تبلغ من العمر 13 عاماً دواءً لأن القلق بات يفوق قدرتها على التحمّل."

وتضيف الدقدوقي: "نشجّع الفتيات المراهقات على التطوّع ومساعدة الآخرين. هنّ في عمر يُفترض أن يفكّرن فيه بمستقبلهن، لا أن ينشغلن فقط بكيفية البقاء".

مبادرات صغيرة... وتضامن كبير

رغم قسوة الظروف، تواصل النساء والفتيات الحفاظ على تماسك مجتمعاتهن. فبعضهن، مثل فاطمة طراد (17 عاماً)، النازحة إلى مركز الإيواء في الجامعة الإسلامية، يشاركن في العمل التطوعي في مركز المطران مارون العمّار للرعاية الصحية الأولية. وتقول: "أتطوّع على أمل أن يساعد أحدهم أيضاً عائلتي التي مكثت في الجنوب."

أمنيتها بسيطة: أن تطمئن على سلامة عائلتها، وأن تعيش بسلام.

تلعب المنظمات المحلية دوراً محورياً، إلا أنها تواجه ضغوطاً متزايدة مع تصاعد الاحتياجات. ويؤكد العاملون/ات في المجال الإنساني أن استمرار الدعم الدولي أمر أساسي، لا سيما للنساء والأطفال، في ظل عدم كفاية الاستجابة الحالية.

 

Fatima Tradd, a 17-year-old displaced volunteer, supports her community at a primary health care center, embodying resilience and solidarity while hoping for the safety of her family.

فاطمة طراد، متطوعة نازحة تبلغ من العمر 17 عاماً، تدعم مجتمعها في أحد مراكز الرعاية الصحية الأولية، مجسّدةً الصمود وروح التضامن، وكلها أمل بسلامة عائلتها. الصورة: هيئة الأمم المتحدة للمرأة / جورج روكز

ورغم الإرهاق، إنّ النساء يواصلن إظهار شجاعة لافتة، إلا أنهن لا يستطعن الاستمرار بمفردهن. ومن دون دعم عاجل، يُرجّح أن تتفاقم الأوضاع.

انطلاقاً من دورها في تعزيز المساواة بين الجنسين في السياقات الإنسانية، والتزامها الراسخ بالعمل الإنساني، تواصل هيئة الأمم المتحدة للمرأة توسيع نطاق استجابتها لتلبية الاحتياجات العاجلة للنساء والفتيات بكل تنوّعهن. ويشمل ذلك تقديم دعم حيوي، لا سيما في مجالي الحماية وسبل العيش للنساء والفتيات المتأثرات بالأزمة، وتعزيز المساءلة حول الالتزامات المتعلقة بالمساواة بين الجنسين ضمن جهود الاستجابة الإنسانية، إضافة إلى دعم أصوات النساء وقيادتهن في عمليات صنع القرار.

كما تواصل هيئة الأمم المتحدة للمرأة عملها في عدد من مواقع النزوح، مع توسيع تدخلاتها خلال الأسابيع المقبلة لتعزيز الدعم المقدّم للنساء المتأثرات بالأزمة وأسرهن.

 


  1. ^

     هو العدد الإجمالي للعائلات النازحة في مراكز الإيواء حتى 25 آذار 2026 وفقًا لوحدة إدارة مخاطر الكوارث في لبنان 34 269

  2. ^

     تحديث عاجل رقم 1 من هيئة الأمم المتحدة للمرأة حول التصعيد في لبنان (6 آذار 2026)