النزاع في لبنان يُلقي بظلاله الثقيلة على الصحة النفسية للنساء النازحات: "الألم حاضر في كل ما نسمعه ونراه ونعيشه"
التاريخ:
تصاعد النزاع في لبنان أجبر مئات الآلاف من النساء والفتيات على الفرار من منازلهن، فيما النساء يقفن في طليعة الاستجابة للأزمة.
مع دخول التصعيد في لبنان أسبوعه السادس، تتصاعد مشاعر الخوف في مختلف أنحاء البلاد، في ظلّ أزمة نزوح واسعة النطاق، حيث تتأثر النساء والفتيات بشكل غير متناسب. ووفق تقديرات هيئة الأمم المتحدة للمرأةـ إنّ ربع النساء والفتيات في لبنان قد نزحن منذ 2 آذار.
ومنذ تصاعد النزاع، يُقدَّر أن ما يقرب من 16,750 امرأة وفتاة يُجبرن يومياً على الفرار من منازلهن نتيجة العنف وأوامر الإخلاء واسعة النطاق1، مع تأثر شديد للنساء والفتيات في جنوب لبنان. والحال أنّ العديد منهن يجدن أنفسهن في ظروف سكنية غير لائقة أو في مراكز إيواء مكتظة، فيما يواصلن في الوقت عينه رعاية الأطفال وكبار السن.
نزحت فاتن*، 42 عاماً، من مدينة صور إلى بلدة برجا. وعند وصولها، كانت مرهقة ومثقلة بالضغوط، وهي واحدة من بين أكثر من 620,000 امرأة وفتاة أُجبرن على مغادرة منازلهن2.
تقف نساء وأطفال في طابور في الهواء الطلق داخل أحد مراكز الإيواء، بانتظار دورهم في ساحة المركز. الصورة: هيئة الأمم المتحدة للمرأة/جورج روكز
تعتمد النساء النازحات على مركز برجا الصحي للوصول إلى الدعم النفسي الطارئ
نزحت فاتن مع أطفالها الثلاثة بعد فقدان زوجها. وهي تعتمد على الدعم الذي يقدّمه مركز المطران مارون العمّار للرعاية الصحية الأولية في برجا - الشوف، والذي أصبح ملاذًا وحيدًا للعائلات النازحة الباحثة عن الرعاية الصحية والدعم النفسي والاجتماعي. ويشكّل النساء نحو 70 في المائة من طالبي الخدمات في المركز، حيث تجد العديد منهن أنفسهن اليوم المعيلات الوحيدات لأسرهن.
النساء في الخطوط الأمامية للاستجابة الإنسانية
يشكّل الدعم الأساسي لفاتن الاختصاصية الاجتماعية فاطمة الشمعة، 28 عاماً، التي تعمل في الخطوط الأمامية للاستجابة الإنسانية في لبنان. وتقدّم فاطمة يومياً الدعم للنساء اللواتي فقدن منازلهن وأحباءهن وإحساسهن بالاستقرار. وقد تعرّضت العديد منهن للنزوح أكثر من مرة، ويعشن اليوم في ظل غياب أبسط مقوّمات الحياة.
تحرص فاطمة أولاً على الاستماع إلى النساء لفهم احتياجاتهن الحقيقية، قبل تقديم أي إرشاد أو دعم.
وتقول: "في البداية، تتردد معظم النساء في الحديث، لكن مع مرور الوقت يبدأن بالبوح. وعندما يفعلن ذلك، ندرك حجم ما كنّ يحملنه في داخلهن، ومدى شعورهن بالضياع والاستنزاف النفسي."
وتضيف أن كثيرات يعبّرن عن الشعور ذاته: "أشعر أني وحدي… من سيقف إلى جانبي؟"
يُفاقم النزاع والنزوح أوجه عدم المساواة القائمة بين الجنسين، بما في ذلك زيادة أعباء الرعاية التي تتحملها النساء والفتيات، في ظل معاناة نفسية شديدة. ومع ذلك، لا يزال الوصول إلى خدمات الدعم محدوداً. وتُعدّ خدمات الإرشاد النفسي نادرة بشكل خاص، ما يترك العديد من النساء يواجهن العبء العاطفي والنفسي للنزوح إلى حدّ كبير بمفردهن.
وقد أنشأت الحكومة اللبنانية 677 مركز إيواء جماعياً في مختلف أنحاء البلاد، جميعها، باستثناء 11 مركزاً، بلغت طاقتها الاستيعابية القصوى، فيما يؤدي الاكتظاظ إلى تقليص المساحات المتاحة للخصوصية، لا سيما بالنسبة للنساء والفتيات.
فاطمة الشمعة (28 عامًا)، اختصاصية اجتماعية تعمل في الخطوط الأمامية للاستجابة الإنسانية في لبنان. بيروت، لبنان، آذار 2026. الصورة: هيئة الأمم المتحدة للمرأة/جورج روكز
هل تعلم/ين؟
ثمة أزمة خفية يواجهنها النساء في سياقات النزاع. ففي حين تتصدّر القنابل والرصاص العناوين، تعاني ملايين النساء والفتيات من آثار نفسانية عميقة للحرب والنزوح والقمع، ما يخلّف تداعيات قاسية وطويلة الأمد على صحتهن النفسية.
ويعاني معظم الأشخاص المتأثرين بالأزمات الإنسانية من ضغوط نفسانية، فيما يُقدَّر أن نحو واحد من كل خمسة أشخاص قد يطوّر اضطرابات نفسانية طويلة الأمد، مثل الاكتئاب أو القلق أو اضطراب ما بعد الصدمة أو الاضطراب ثنائي القطب أو الفصام. ومع ذلك، لا يحصل سوى 2 في المائة منهم على الرعاية التي يحتاجونها.
ماذا تقدم هيئة الأمم المتحدة للمرأة للنساء والفتيات المتأثرات بالنزاع في لبنان؟
تعمل هيئة الأمم المتحدة للمرأة على توسيع نطاق خدمات الصحة النفسية والحماية المستجيبة للنوع الاجتماعي من خلال إنشاء مساحات آمنة تتيح للنساء التعبير عن أنفسهن، والتواصل مع أخريات، والوصول إلى خدمات الإحالة، والشروع في رحلة التعافي. وتهدف هذه الجهود إلى استعادة الشعور بالاستقرار، وتعزيز قدرة النساء على اتخاذ القرار، ودعم قيادتهن، وصون كرامتهن، فضلاً عن تقوية آليات الحماية على مستوى المجتمعات المحلية.
قبل تلقيها الدعم من فاطمة، كانت فاتن منهكة من الحزن على فقدان زوجها، ومن عبء رعاية أطفالها بمفردها. ومن خلال الدعم النفسي والاجتماعي القائم على الإصغاء، بدأت تستعيد شيئاً من التوازن. ومع مرور الوقت، بدأ يتغيّر شيء ما. ليس لأن واقعها قد تغيّر، بل لأنها لم تعد تواجهه بمفردها.
واليوم، تقصد فاتن المركز أسبوعياً لتلقي الدعم، وللتواجد ببساطة في مساحة تشعر فيها بالأمان والاحتواء.
وتوضح فاطمة: "الصحة النفسية هي الأساس لكل شيء. من دونها، لا يمكن تحقيق التعافي."
تجلس نساء معًا في الهواء الطلق بالقرب من حبال الغسيل، بينما تسير طفلة على طول ممر داخل أحد مراكز الإيواء للنازحين. الصورة: هيئة الأمم المتحدة للمرأة/جورج روكز
يحتاج معظم روّاد المركز إلى رعاية نفسية عاجلة
يوفر المركز يومياً الدعم لنحو 100 شخص، يحتاج أكثر من 60 منهم إلى دعم نفساني واجتماعي عاجل. وكانت سمر*، 34 عاماً، من بنت جبيل، من بين الحالات التي استدعت تدخلاً فورياً، بعد أن اضطرت للفرار من منزلها تاركة خلفها كل شيء، بما في ذلك وثائقها الرسمية وأدويتها لمرض مزمن، ما زاد من قسوة تجربة النزوح وأثّر سلباً على صحتها النفسية.
وتبدي فاطمة قلقاً خاصاً حيال الفتيات المراهقات والشابات، اللواتي يعبّرن عن مستويات متزايدة من القلق، وصعوبة في التركيز، وتراجع في الإحساس بالأمل. وتقول: "في هذه السنّ، من المفترض أن يتطلعن إلى المستقبل، لكنهن بدلاً من ذلك يحاولن النجاة من أزمة لا تبدو لها نهاية واضحة."
وللاستجابة للاحتياجات المتزايدة للنساء والفتيات، يعمل المركز على توسيع خدمات الدعم النفساني والاجتماعي من خلال جلسات جماعية، ومساحات آمنة، وأنشطة مجتمعية، إلى جانب إشراك الشباب في مبادرات تطوعية تعزّز التماسك والدعم المتبادل.
أما بالنسبة للعاملين والعاملات في تقديم الدعم، فإن العبء النفسي لا يقلّ وطأة.
وتضيف فاطمة: "هذا العمل مرهق نفسياً كل يوم. الألم حاضر في كل ما نسمعه ونراه ونعيشه، لكن التوقف ليس خياراً."
* ملاحظة: تم حجب الأسماء الكاملة حفاظاً على خصوصية الأفراد.
استنادًا إلى تقديرات هيئة الأمم المتحدة للمرأة.
استنادًا إلى تقديرات هيئة الأمم المتحدة للمرأة.