"يبدو وكأن العالم بأسره متواطئ": تجرية النزوح من منظور النازحات في ظلّ النزاع في لبنان
التاريخ:
مع تصاعد حدّة النزاع في لبنان، وجدت مئات الآلاف من النساء والفتيات أنفسهنّ مجبرات على ترك منازلهن والفرار. ومن جنوب لبنان، تروي امرأتان شهادتيهما حول كيف تُعيد الحرب تشكيل حياة النساء في البلاد.
"هذا هو نزوحِي الثاني خلال السنوات الأخيرة. ولم أنسَ الحروب المتكرّرة على جنوب لبنان مذ كنا أطفالًا"، تقول زينب* (63 عامًا)، وهي واحدة من بين 620,000 امرأة وفتاة أُجبرن على الهرب من منازلهن خلال الشهر الماضي، عقب تصاعد الأعمال العدائية في لبنان.
فرّت زينب وزوجها من النبطية في جنوب لبنان في أوائل شهر آذار. أمضى الزوجان ليلتين نائمين في سيارتهما قبل أن يلجآ إلى الاحتماء في الجامعة الإسلامية في خلدة، على بُعد 15 كيلومترًا جنوب بيروت. وهما من بين 390 عائلة تقيم في مكان لم يُصمَّم أساسًا لاستضافة عائلات نازحة. والحال أنّ النساء والفتيات يشكّلن أكثر من نصف المقيمين فيه، مع تزايد الأعداد يوميًا في ظل تسارع وتيرة النزوح من جنوب لبنان ومناطق أخرى.
امرأة تجلس إلى جانب عربة أطفال وهي تعتني بطفل في شارع مزدحم، فيما يستلقي شخص بالقرب منها.
في 5 آذار 2026، في بيروت، لبنان، أدّت تحذيرات الإخلاء في عدة مناطق إلى حركة نزوح واسعة للعائلات الباحثة عن الأمان. فرّ آلاف الأشخاص، من بينهم عدد كبير من الأطفال، من منازلهم في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت، ليتجمعوا في الشوارع أو يحاولوا الوصول إلى مناطق أكثر أمانًا. ويُعدّ الأطفال من بين الأكثر تضررًا، في ظل ما تواجهه الأسر من نزوح وحالة من عدم اليقين ومحدودية الوصول إلى الخدمات الأساسية. الصورة: اليونيسف
كيف يؤثر النزاع والنزوح على النساء بشكل مختلف عن الرجال؟
يؤدي النزاع والنزوح إلى تفاقم أوجه عدم المساواة القائمة بين الجنسين، ما يجعل النساء والفتيات الأكثر تأثرًا خلال الأزمات الإنسانية. إذ تتعرض سلامتهن وحقوقهن لمخاطر جمّة، وتتعمّق هشاشتهن على المدى الطويل، بما في ذلك الهشاشة الاقتصادية. كذلك يتحمّل النساء والفتيات عبئًا أكبر في أعمال الرعاية والحفاظ على تماسك الأسرة، من رعاية أفراد العائلة المصابين وتهدئة الأطفال الخائفين، إلى التضحية بحصصهن من الطعام ليأكل الآخرون، والاستمرار في دعم صمود أسرهن تحت وطأة الضغوط المتزايدة.
تواجه الأسر النازحة في لبنان اليوم صعوبات بالغة في الوصول إلى الغذاء والمأوى والرعاية الصحية.
زينب، التي كانت تعمل خيّاطة، تعاني من مرض مزمن في القلب، وهي المعيلة الأساسية لزوجها الذي يشكو من السكري ومضاعفات صحية أخرى. ومثل العديد من الأسر النازحة حديثًا، ينامان في ممرّات مركز الإيواء، من دون فرش مناسب أو تدفئة أو احتياجات أساسية.
ويشير المقيمون/اتفي المركز إلى أنهم يتلقّون وجبة واحدة يوميًا، غالبًا ما تتكوّن من الأرز أو البطاطا أو المعكرونة، مع نقص واضح في مصادر البروتين. كما تواجه العائلات التي لديها أطفال رُضّع نقصًا في الحليب وحفاضات الأطفال.
تقول زينب: " هنا، أنا لا أملك وسادة حتى. لا ماء ساخن للاغتسال، ولا حتى جوارب. نحن بحاجة إلى الدواء لكِلَينا، لكن كيف يمكننا الحصول عليه؟"
تلتفت زينب إلى هديل* (28 عامًا)، المنحدرة أيضًا من النبطية. وبين المرأتين، على اختلاف جيليهما، نشأت علاقة تضامن عميقة، قوامها التجارب المشتركة وما تواجهانه من صعوبات ومشاعر قاسية في ظل واقع النزوح.
تقول زينب: "أفكر بالعودة إلى النبطية… لأموت هناك". ثم تروح ترتجف وهي تتحدث إلى زوجها قائلة: "دعنا نعود إلى منزلنا ونموت فيه. لم أعد أحتمل هذا الوضع".
تستمع هديل إليها وتحاول طمأنتها، لكنها تشاركها المشاعر عينها. فقد أُجبرت هي الأخرى على ترك منزلها بعد أيام قليلة من اندلاع النزاع، إثر تحذير بقصف المنطقة. وصلت إلى مركز الإيواء برفقة والديها وشقيقاتها. يعاني والداها من المرض، وهي المعيلة الأساسية لهما. درست العلوم الإنسانية في الجامعة، لكنها لم تتمكن من إتمام دراستها نتيجة للأعباء الكبيرة المرتبطة برعاية أسرتها في المنزل.
في ظلّ اكتظاظ مراكز الإيواء، اضطرت آلاف النساء والفتيات اللجوء إلى الشوارع. وبعد مرور شهر على اندلاع النزاع، لا تزال العديد منهن من دون مكان آمن للإقامة.
الصورة: هيئة الأمم المتحدة للمرأة/ جورج روكز – صيدا، لبنان
هل النساء والفتيات بأمان في مراكز الإيواء؟
يُفاقم النزوح المخاطر التي تهدد سلامة النساء والفتيات. ففي ترتيبات السكن غير الخاضعة لتنظيم رسمي، حيث تقيم حاليًا أكثر من 85 في المائة من النساء والفتيات النازحات في لبنان، وكذلك في مراكز الإيواء المكتظة التي تفتقر إلى الخصوصية، تزداد احتمالات تعرضهن للتحرش والعنف القائم على النوع الاجتماعي. كما يصبح الوصول إلى خدمات الحماية والعدالة أكثر محدودية، رغم تزايد مخاطر العنف. وغالبًا ما تضطر النساء إلى الحد من حركتهن وتجنب الأماكن العامة، مما يقلّص أكثر فرص حصولهن على الدعم.
"لأني امرأة، يصبح كل شيء هنا أصعب" - تحديات متزايدة تواجه النساء النازحات في لبنان
بالنسبة لهديل، لا تقتصر المعاناة في مركز الإيواء على نقص الاحتياجات الأساسية، بل تمتد لتشمل صعوبة العيش كامرأة شابة في بيئة تكاد تنعدم فيها الخصوصية. وتقول: "أشعر بالعجز، وكأنني لم أعد أملك أي طاقة. كوني امرأة، كل شيء يبدو أصعب هنا. ومن دون ما يكفي من الملابس أو الاحتياجات الأساسية، لا أعرف كيف يُتوقع منا أن نستمر أو نصمد في هذه الظروف".
وتضيف: "نحاول إيجاد مأوى أفضل، لكننا لم نتمكن من ذلك حتى الآن".
وعند سؤالها عن الرسالة التي تودّ توجيهها، تقول هديل: "لا رسالة لدي لأقولها لأحد الآن… أشعر وكأن العالم بأسره متواطئ".
أنشأت الحكومة اللبنانية أكثر من 660 مركز إيواء جماعي في مختلف أنحاء لبنان، يقع معظمها في المدارس الرسمية. ويستضيف هذه المراكز حاليًا أكثر من 136,000 نازح/ة، وهي تعمل بأكثر من 90 في المائة من طاقتها الاستيعابية، ما يزيد من حدة الاكتظاظ ويضاعف المخاطر والاحتياجات المحدقة بالنساء والفتيات.
كما يواجه مركز الإيواء في الجامعة الإسلامية، الذي تشرف عليه وزارة الشؤون الاجتماعية، ضغوطًا كبيرة على صعيد المساحة والموارد. وبينما تقدّم بعض المنظمات المحلية، بما في ذلك جمعية الشوف للتنمية، وهي منظمة تقودها نساء، دعمًا طبيًا محدودًا، لا تزال الاستجابة الإنسانية الأوسع غير كافية مقارنة بحجم الاحتياجات.
ماذا تفعل هيئة الأمم المتحدة للمرأة في لبنان حاليًا؟
انطلاقاً من دورها في تعزيز المساواة بين الجنسين في السياقات الإنسانية، والتزامها الراسخ بالعمل الإنساني، تواصل هيئة الأمم المتحدة للمرأة توسيع نطاق استجابتها لتلبية الاحتياجات العاجلة للنساء والفتيات بكل تنوّعهن. ويشمل ذلك تقديم دعم حيوي، لا سيما في مجالي الحماية وسبل العيش للنساء والفتيات المتأثرات بالأزمة، وتعزيز المساءلة حول الالتزامات المتعلقة بالمساواة بين الجنسين ضمن جهود الاستجابة الإنسانية، إضافة إلى دعم أصوات النساء وقيادتهن في عمليات صنع القرار.
كما تواصل هيئة الأمم المتحدة للمرأة عملها في عدد من مواقع النزوح، مع توسيع تدخلاتها خلال الأسابيع المقبلة لتعزيز الدعم المقدّم للنساء المتأثرات بالأزمة وأسرهن.
* تم حجب الأسماء الكاملة حفاظًا على خصوصية وهوية النساء اللواتي قدّمن هذه الشهادات.
- استنادًا إلى تقديرات هيئة الأمم المتحدة للمرأة.
- استنادًا إلى تقديرات هيئة الأمم المتحدة للمرأة.