حكاية أمّ في خضم الفقدان والصمود
التاريخ:
"بنينا هذا المنزل بحبّ"، تروي ريم، البالغة من العمر 38 عامًا، بصوت خافت وهي تتأمل ما تبقّى من منزلها في بدنايل، البقاع، لبنان. في 3 آذار، حوّلت غارة إسرائيلية المنزل إلى ركام، منهيةً ليس مجرد منزل قيد الإنشاء، بل حلمًا عائليًا نُسج بصبر وعناية، خطوةً بعد خطوة، فيما كانت العائلة تحاول أن ترسم ملامح مستقبلها.
ريم، خريجة إدارة أعمال عملت سابقًا في مجال التعليم وفي القطاع الخاص أيضاً، اختارت خلال السنوات الأخيرة حياة أكثر هدوءًا، كرّستها لتربية ابنتها البالغة من العمر عشر سنوات. وتقول: "قد تبدو حياتي عادية بالنسبة للآخرين، لكنها بالنسبة لي كانت حياة دافئة ومفعمة بالأمل". ذلك أنّهاوجدَت في الأمومة، معنى عميقًا لحياتها، وبنت شعورًا بالاستقرار ارتكز على أحلام بسيطة، لكنها بالغة القيمة.
اليوم، تجد ريم نفسها أمام عبءٍ مضاعف: مواجهة ألم الخسارة، ومحاولة الحفاظ على تماسك عائلتها وسط كل هذا الانهيار.
تبحث ريم بين ركام منزلها المدمَّر في بدنايل، البقاع، عن صور عائلية ووثائق شخصية عقب غارة إسرائيلية استهدفت المنزل في 3 آذار/مارس. الصورة: هيئة الأمم المتحدة للمرأة لبنان/ جورج روكز
قبل تصاعد الأعمال العدائية في عام 2026، كان منزلهم، رغم أنه لم يكتمل بعد، محور الحياة التي حلموا بها. حملت كل زاوية فيه أثر جهدٍ مشترك: قرارات اتُّخذت معًا، وألوان اختيرت بعناية، وغرف رسمتها العائلة في خيالها قبل أن يكتمل تصميمها. وتقول ريم: "كان مساحة الأمان الخاصة بنا، ملاذًا أسسّناه كعائلة".
لكن ذلك الإحساس بالأمان تحطّم عند ظهيرة يوم واحد. ففي وقت سابق من ذلك اليوم، تلقّى السكان تحذيرًا رسميًا بأن المبنى سيكون هدفاً للقصف. انتظرت ريم وابنتها ووالداها في المنزل الذي كانوا يستأجرونه ريثما يكتمل بناء منزلهم، عالقين بين الخوف وعدم التصديق، ومتعلّقين بأمل ألّا تقع الغارة. لكن، قرابة الساعة الخامسة مساءً، شُنّتْ الغارة بالفعل.
"عندما حدث ذلك، شعرتُ وكأنني مشلولة"، تتذكّر ريم. "كان الأمر أشبه بانهيار العالم من حولي". وكان أول ما فكّرت فيه ابنتها.
كانت الطفلة قد بدأت تُحضّر غرفتها بنفسها، طلتها باللون الوردي، واختارت زينتها بعناية، وعلّقت نجومًا على السقف لتنام تحت سمائها الصغيرة التي تخيّلتها. تقول ريم: "لقد أخذوا كل ذلك منها". ومنذ ذلك الحين، تحاول ابنتها استيعاب ما حدث، فتطرح أسئلة لا تجد ريم إجابات سهلة لها: لماذا دُمّر منزلهم؟ ومتى سيعودون إليه؟ وتقول: "أحاول أن أطمئنها وأذكّرها بأننا ما زلنا بأمان. أدّعي القوة أمامها، لكنني في داخلي أشعر بالانكسار".
ذلك الإحساس بالانتماء الذي كان يملأ حياتهم، تبدّل إلى حالٍ من القلق. والحال أن الطفولة حتى باتت مثقَلة بالخوف وتتسمُ بالاضطراب والخسارة.
تقف ريم أمام ما تبقّى من منزل عائلتها في بدنايل، البقاع، في مواجهة فقدان سنوات من التعب والذكريات والحياة التي بنتها مع عائلتها بعناية وحبّ. الصورة: هيئة الأمم المتحدة للمرأة لبنان/ جورج روكز
اليوم، تقيم ريم وعائلتها في منزل بدلًا من مركز إيواء كالآخرين، وهذا وضع تشير إليه بامتنان، معبّرة في الوقت عينه عن تضامنها مع النساء اللواتي يواجهن ظروفًا أشد قسوة. تدرك ريم تمامًا تفاوت الأعباء التي تتحمّلها العائلات في مختلف أنحاء لبنان.
وتقول: "إنّ النساء يختبرن الحرب بطريقة مختلفة. علينا أن نبقى قويّات من أجل أطفالنا، وأن نساعدهم على التعافي، حتى حين لا نملك نحن الوقت أو المساحة الكافية لنحزن على ما فقدناه ومررنا به".
إلى جانب الخسارة المادية، إن النساء يتحملّن في كثير من الأحيان العبء العاطفي المتمثّل في الحفاظ على تماسك العائلة والاستمرار وسط كل هذا الاضطراب. ومع ذلك، تستمدّ ريم قوتها من هذه التجربة المشتركة بين جميع النساء. وتقول: "النساء لا يستسلمن. حتى في أحلك الظروف، يجدن الأمل في التفاصيل الصغيرة، ويمنحنه إلى من حولهن".
ركام ما كان يومًا منزلًا لعائلة في بدنايل، البقاع، حيث تحوّلت سنوات من الذكريات والأحلام والشعور بالأمان إلى أنقاض في لحظة واحدة. الصورة: هيئة الأمم المتحدة للمرأة لبنان/ جورج روكز
بالنسبة لريم، لا تزال الأمومة هي مرساتها الوحيدة وسط كل هذا الخراب. وتقول: " ما يدفعني للاستمرار هو أن أكون مصدر طمأنينة لابنتي ". فما خسرته لا يقتصر على الجدران والأثاث فحسب. "إنها سنوات من التعب، ومن الأحلام، ومن بناء شيء معًا. إنه الأمان. إنه الانتماء. إنه كل ما تخيّلته أنا وزوجي لمستقبلنا".
ورغم كل ما حدث، ما زالت ريم متمسكة بالأمل. وتقول: "لا يمكننا أن نفقد الأمل. علينا أن نؤمن بأن أيامًا أفضل ممكنة، إلى أن يأتي يوم تصبح فيه حقيقة ملموسة".
حتى 18 أيار 2026، قُتل ما لا يقل عن 3,020 شخصًا وأُصيب 9,273 آخرون في لبنان منذ 2 آذار 2026، وفقًا لوزارة الصحة العامة اللبنانية. ولا يزال أكثر من مليون شخص في حالة نزوح، من بينهم أكثر من 129,721 شخصًا يقيمون في 632 مركز إيواء جماعي، فيما يبقى معظم النازحين خارج مواقع الإيواء الرسمية، وفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) حتى 14 أيار 2026.