من دفء المنازل إلى أروقة مراكز الإيواء: نساء لبنانيات يواجهن أعباء النزوح
التاريخ:
عقب خمسة وأربعين يومًا من الأعمال العدائية، شكّل وقف إطلاق النار الذي أُعلن في 16 نيسان، والذي مُدّد لاحقًا لثلاثة أسابيع إضافية، بارقة أمل مؤقتة للعائلات النازحة في لبنان. عادت بعض العائلات إلى مناطقها، لتصطدم بواقعٍ مثقل بالدمار، وغيابٍ للخدمات الأساسية، واستمرارٍ لحال من القلق وعدم الاستقرار. وبينما طالت تداعيات الأزمة المجتمعات كافة، ما يزال النساء يتحمّلن عبئًا غير متكافئ من آثارها. وإلى الرابع من أيار 2026، بلغ عدد الضحايا 2,679.
تتحمّل زينب فقيه، النازحة من صريفا، مسؤولية رعاية أجيال متعددة من عائلتها، بعدما أجبر النزاع أسرتها على النزوح للمرة الثانية خلال عامين. الصورة: هيئة الأمم المتحدة للمرأة في لبنان/جورج روكز
أي حياة هذه؟" تتساءل زينب فقيه، 56 عامًا، وهي أم لأربعة أولاد من بلدة صريفا، لجأت إلى مركز إيواء في برجا المريجات، المدعوم من جمعية الشوف للتنمية، عبر مركز المطران مارون العمار للرعاية الصحيّة الأوليّة.
وتضيف: "تفرّق شمل عائلتي؛ بقي زوجي في الجنوب، فيما لجأتُ أنا إلى مركز الإيواء برفقة أبنائي وأحفادي، إضافةً إلى والدي زوجي المسنّين والمريضين. أصبحتُ المسؤولة عن تأمين طعامهم ودوائهم ورعايتهم اليومية". وتضيف: "أنا مرهقة. هذه هي المرة الثانية التي نُجبر فيها على النزوح خلال عامين".
ومع إعلان وقف إطلاق النار المؤقت، عادت زينب إلى صريفا. وتستذكر قائلة: "كانت الطرقات مدمّرة، ومنزلي لم يعد صالحًا للسكن. فقدنا أحبّاء وأقارب، وكان الحزن طاغيًا". إلا أنّ عدم القدرة على البقاء دفعها إلى النزوح مجددًا، فتنقّلت بين مراكز الإيواء وترتيبات مؤقتة أخرى للسكن ، إلى أن استقَرّتْ في غرفة مستأجرة بدعم من بعض الناس.
وتختم قائلة: "لا نملكُ أثاثًا. نحاول الصمود من أجل الأطفال والمسنّين الموجودين معنا".
أكثر من 100,000 نازح في مراكز الإيواء: أزمة داخل الأزمة
أنشأت الحكومة اللبنانية 624 مركز إيواء، منها 228 وصلت إلى طاقتها الاستيعابية القصوى. وتكشف هذه المراكز عن فجوات بين الجنسين صارخة، ذلك أنها تفتقر إلى أدنى مستويات الخصوصية للنساء والفتيات.
في مختلف أنحاء لبنان، تتحمّل النساء والفتيات العبء الأكبر للنزوح، إذ يضطلعن بأدوار الرعاية، ويواجهن الفقدان، ويتأقلمن مع ظروف مراكز الإيواء المكتظّة، وسط محدودية الخصوصية والأمان والخدمات الأساسية. الصورة: هيئة الأمم المتحدة للمرأة في لبنان/أديب فرحات، طرابلس
في مختلف أنحاء لبنان، يقيم حاليًا 117,623 نازحًا ونازحة في مراكز الإيواء الجماعية، في حين تَسَجّل 1,049,328 نازحًا عبر المنصّة التي أطلقتها الحكومة اللبنانية للإغاثة (وزارة الشؤون الاجتماعية، 1 نيسان)، تشكّل النساء نسبة 51.67 في المائة منهم. ويعيش هؤلاء في ظروف الاكتظاظوالافتقار للآمان، حيث تنام العائلات على فُرَش رقيقة وحيث تفصل سواتر قماشية بين العائلات، في ظل محدودية شديدة في التدفئة والمياه الساخنة والأدوية ومواد النظافة ومرافق الطهو، بينما يتشارك عشرات الأشخاص المرافق الصحيّة.
في مراكز الإيواء ضمن بلديات مثل برجا والمريجات، تتحمّل النساء أعباء رعاية مضاعفة تفوق طاقاتهن.
الحياة اليومية معاناة مستمرة للنساء
زهرة فرحات، 66 عامًا، أرملة وصاحبة متجر سابقة من النبطية، نزحت مع أبنائها في موازاة تدهور الأوضاع. تقول: "غادرنا على عجل. لم أحمل معي شيئًا سوى الملابس التي كنت أرتديها". تضيف أنها لم تعد قادرة على تحمّل كلفة أدويتها، وتقيم حاليًا في مبنى البلدية، بعدما كانت قد لجأت سابقًا إلى منزل شقيقها خلال نزاع عام 2024.
وعند سماعها بإعلان وقف إطلاق النار، عادت زهرة إلى النبطية لتتفقد منزلها. "كان قلبي يرتجف"، تستذكر. وما وجدته كان مؤلمًا: منزل لا يزال قائمًا لكنه متضرر، وسط دمار واسع في المنطقة. "تحوّلت المنازل إلى ركام، وغادر الجيران. عاد القليلون ثم رحلوا مجددًا".
تواجه زهرة فرحات، وهي أرملة من النبطية، تحديات النزوح بعد فقدان مصدر رزقها، فيما تكافح اليوم لتأمين احتياجاتها الأساسية وسط محدودية الوصول إلى الخدمات وفرص الدخل. الصورة: هيئة الأمم المتحدة للمرأة في لبنان/جورج روكز
لم تتمكّن من البقاء. تقول: "لا عمل، ولا خدمات، والخوف قائم". فعادت مع أبنائها إلى مبنى البلدية. وتضيف: "المنزل هو المكان الذي نشتاق إليه جميعًا، لكن لا يوجد حدّ أدنى من الأمان يسمح لنا بالبقاء".
بعد أن كانت مستقلة اقتصاديًا، أصبحت زهرة، كغيرها من النساء، تعتمد على مساعدات إنسانية محدودة وغير منتظمة. كما تؤدي أعباء الرعاية غير المدفوعة المتزايدة إلى تقييد حركتهنّ وإمكانية وصولهنّ إلى الخدمات والمساعدات.
وتختم قائلة: "خسر أبنائي أعمالهم. نحن جميعًا بحاجة إلى العمل لنتمكّن من العيش. بالأمس، قطفت أعشابًا برية لنتمكّن من تأمين ما نأكله".
ما بعد البقاء: الكلفة الخفية للنزاع
إلى جانب الخسائر المادية، يفرض النزوح أعباءً جسدية ونفسية كبيرة على النساء.
تواجه وهيبة الحاج، النازحة مع أبنائها، تحديات يومية قاسية داخل مراكز الإيواء المكتظّة، حيث يفاقم غياب الخصوصية والخدمات الأساسية الضغوط الجسدية والنفسية. الصورة: هيئة الأمم المتحدة للمرأة في لبنان/جورج روكز
تقول وهيبة الحاج، 54 عامًا، التي نزحت مع أبنائها إلى مركز الإيواء نفسه: "لا أحد يفهم ما نمرّ به".
وتضيف: "نغسل الصحون في الخارج تحت المطر. ينام أبنائي في السيارة بينما أمكثُ أنا في الداخل. هناك كرسي واحد فقط، ولا توجد أي خصوصية. الحياة اليومية مرهقة جسديًا ومثقلة نفسيًا".
كمثل عدد من العائلات الجنوبية، عادت وهيبة إلى النبطية بعد إعلان وقف إطلاق النار، على أمل إيجاد قدر من الاستقرار. إلا أن الطريق عَجّت بمشاهد الدمار القاسية. وجدت منزلها ما يزال قائمًا، فحاولت جمع بعض الحاجيات الأساسية، تقول: "لم يكن هناك كهرباء، ولا مياه، ولا متاجر، حتى الخبز لم يكن متوفرًا. كنّا نأمل أن يكون المكان آمنًا، لكن الغارات الجوية استمرت، ما اضطرنا إلى المغادرة مجددًا". وتضيف: "تغيّرت ملامح المنطقة بالكامل. تحوّلت المباني إلى ركام، وبالكاد تَعَرّفْتُ إلى مدخل المدينة. ولم يعُد أيّ من جيراننا إلى منازلهم".
بالنسبة إلى وهيبة، كان الرجوع إلى مركز الإيواء الخيار الوحيد. وتقول: "لو كان هناك أمان حقيقي، لما غادرنا منازلنا. لا أحد يختار ذلك".
ويخيّم عدم اليقين على المستقبل: "إلى متى سنبقى هنا؟ هل سنعود يومًا إلى منازلنا؟ أم سنبقى ننتقل من نزوح إلى آخر؟"
أما كأمّ، فتقول إن الخوف عميق: "كل ما أريده هو أن أحمي أبنائي، لكنني لا أستطيع. أي مستقبل في انتظارهم؟ لا بدّ من حل".
احتياجات النساء لا تزال مُهمَلة: ضرورة استجابة إنسانية مراعية للنوع الاجتماعي
تُبرز هذه الأزمة الحاجة الملحّة إلى استجابة إنسانية تراعي النوع الاجتماعي. فالنساء لسنّ فقط من بين الفئات الأكثر تضررًا، بل يشكّلن أيضًا ركيزة أساسية في صمود الأسر والمجتمعات واستمراريتها. ومع ذلك، ما تزال احتياجاتهنّ الخاصة مهمَلة إلى حدّ كبير. ومن دون تدخّلات موجّهة، يهدّد النزوح بتعميق أوجه عدم المساواة وترسيخ دوائر الهشاشة.
وتواصل هيئة الأمم المتحدة للمرأة توسيع نطاق استجابتها لدعم النساء والفتيات، من خلال توفير خدمات الحماية، وبرامج سبل العيش، وتعزيز المساءلة بشأن المساواة بين الجنسين، إلى جانب دعم قيادة النساء ودورهنّ المحوري في سياق الاستجابة الإنسانية.