طبيباتٌ في الخطوط الأمامية للأزمة الصحية في لبنان

التاريخ:

منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في لبنان في 16 نيسان، والذي مُدِّد لاحقًا لثلاثة أسابيع إضافية عقب 45 يومًا من الأعمال العدائية المكثّفة، ما يزال النظام الصحي، الهشّ أصلًا، يواجه ضغطًا هائلًا.  ذلك أنّ النزوح المستمر، وثمة نقص في الإمدادات الطبية، في موازاة تفاقم الضغوط النفسية، وجميعها عوامل تتضافر لتُثقل كاهل الخدمات الصحية وتستنزف قدرتها على الاستجابة.

Marie 1

.تواصل الدكتورة ماري الغوش، طبيبة الأطفال والأم لثلاثة أطفال، تقديم الرعاية الصحية الأساسية وسط الأزمة في لبنان، فيما توازن بين مسؤولياتها تجاه مرضاها وأسرتها تحت ضغط هائل. الصورة: هيئة الأمم المتحدة للمرأة/جورج روكز
 

تقول الدكتورة ماري الغوش، 36 عامًا، وهي طبيبة أطفال وأم لثلاثة أطفال: "أترك أطفالي لأعتني بأطفال الآخرين. ما زالوا يتابعون تعليمهم عن بُعد، وزوجي، وهو أستاذ جامعي، يُعطي الدروس أيضًا من المنزل".

تنحدر الدكتورة الغوش من بلدة برجا، وتقيم حاليًا في البُرجين، وهي واحدة من العديد من العاملين والعاملات في القطاع الصحي الذين يواصلون تقديم الرعاية رغم النزاع. لا تعدّ مهنتها مجرّد عمل، بل تصفُها بالمسؤولية التي تضاعفت أهميتها في ظل النزاع.

ومنذ 2 آذار، وبحسب منظمة الصحة العالمية، تَعطّل الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية على نحو كبير، حيث أُجبر 56 مركزًا للرعاية الصحية الأولية على الإغلاق.ورغم تراجع حدّة الأعمال العدائية في البلاد، لا تزال الاحتياجات الإنسانية في تزايد، ذلك أنّ العديد من الأسر النازحة، وبعد تفقد منازلها في المناطق المستهدفة، تعود إلى مراكز إيواء مكتظة، في ظل غياب بدائل آمنة، ما يفرض ضغطًا إضافيًا على نظام صحي مُنهك أصلًا.

في مركز الرعاية الصحية الأولية التابع للمطران مارون العمار في برجا، يتجلّى هذا الضغط يوميًا بوضوح. تصل الأمهات وهنّ يحملن أطفالهن المرضى وحديثي الولادة، مرهقات، بحثًا عن رعاية في نظام يعمل بما يفوق طاقته.

تعمل الدكتورة الغوش في مركزين للرعاية الصحية الأولية في برجا، وتقول: "المراكز مكتظّة باستمرار، وقد اضطررنا مرارًا إلى تجاوز حدود قدرتنا". 

marie 44

 الدكتورة ماري الغوش هي واحدة من بين العديد من العاملات في القطاع الصحي اللواتي يواصلن تقديم الرعاية في لبنان، وسط تزايد الاحتياجات ومحدودية الموارد في نظام صحي مُنهك. الصورة: هيئة الأمم المتحدة للمرأة/جورج روكز


وقد شهد عدد الاستشارات اليومية ارتفاعًا ملحوظًا، بما في ذلك الحالات الطارئة بين حديثي الولادة، بينما ما تزال النواقص حادّة. وتوضح: "يمكنني التشخيص ووصف العلاج، غير أن العديد من الأدوية غير متوفّرة. فحليب الأطفال، والحفاضات، والمواد الأساسية للنظافة باتت شحيحة".

وتضطلع الطبيبات، اللواتي يُشكّلن ما يُقدَّر بنحو 25 إلى 30 في المائة من الأطباء المسجّلين في لبنان، وفقًا لنقابة الأطباء، بدور محوري في استمرارية تقديم الرعاية الصحية، لا سيّما للنساء والأطفال في مراكز الإيواء ومرافق الرعاية الصحية الأولية. وهنّ في صدارة الاستجابة، حيث يبلغ الطلب ذروته، خصوصًا على خدمات صحة الأم والطفل والدعم النفسي والاجتماعي، وهي احتياجات تتكفّل الكوادر الصحية النسائية بتلبيتها إلى حدّ كبير.

وقد أفاد العاملون والعاملات في الخطوط الأمامية بتسجيل حالات لنساء اضطررن إلى الولادة في ظروف بالغة الهشاشة. وغالبًا ما تستقبل الدكتورة الغوش نساءً حوامل وأمهات حديثات يفتقرن إلى أبسط المقوّمات الأساسية. وتستذكر إحدى الحالات: "وصلت فاطمة، 37 عامًا، وهي تتحدر من عيتا الشعب، مع مولودها الجديد وطفلها البالغ من العمر عامين وهي في حالة من الضيق الشديد. كانت بحاجة إلى دعم نفسي عاجل قبل أن نتمكّن حتى من علاج الطفلين". وتعيش فاطمة حاليًا في خيمة ضمن مدرسة، في ظل نزوح مستمر، وموارد محدودة، وحالة من عدم اليقين. وتعكس حالات أخرى معاناة مماثلة. مريم، 32 عامًا، وهي امرأة حامل، عادت إلى الجنوب لتجد منزل عائلتها مدمّرًا، فلم يكن أمامها سوى العودة إلى أحد مراكز الإيواء. وكانت تردّد: "كيف يمكنني أن ألد طفلي في هذه الظروف؟ إلى أين أذهب؟".

وتقول الدكتورة الغوش: "في كثير من الحالات، تتجاوز الاحتياجات الأكثر إلحاحًا مسألتي الغذاء والمياه".

story 223

في مختلف أنحاء لبنان، أجبر الدمار العائلات على النزوح، فيما تتحمّل النساء والفتيات العبء الأكبر، وسط تصاعد المخاطر، ومحدودية الوصول إلى الخدمات، وتفاقم حالة عدم اليقين. الصورة: هيئة الأمم المتحدة للمرأة/جورج روكز - بيروت (8 نيسان)
 

كما تُسهم ظروف الإيواء غير الملائمة في ارتفاع معدلات العدوى، وتفاقم المخاطر الصحية التي تواجهها النساء والأطفال. وفي موازاة ذلك، يتصاعد الضغط النفسي بشكل ملحوظ. وتوضح الدكتورة الغوش: "نلاحظ تزايدًا في مظاهر الصدمة لدى الأطفال، بما في ذلك التراجع النفسي وفقدان السيطرة على المثانة".

أما الأسر التي لديها أطفال يعانون من اضطراب طيف التوحّد أو حالات نمائية أخرى، فتواجه تحديات مضاعفة، إذ يؤدّي الاكتظاظ وانعدام الاستقرار إلى تعطّل الرعاية واختلال الروتين اليومي. وتصف بعضًا من أصعب اللحظات بقولها: "من أقسى ما يواجهه العاملون والعاملات في القطاع الصحي أن يبحثوا عن أحد أحبّائهم بعد غارة جوية، ثم يضطرّوا إلى العودة مباشرةً إلى العمل لأن المرضى بانتظارهم". 

ورغم هذا الضغط الهائل، تظلّ الكوادر الصحية النسائية في صميم الاستجابة، يعالجن، ويستمعن، ويقدّمن الدعم. وتشير الدكتورة الغوش إلى أنه حتى مع سريان وقف إطلاق النار لعشرة أيام، لا يزال عدم اليقين قائمًا: "أعيش بين واقعين؛ أعتني بمرضاي، وفي الوقت نفسه أعتني بأطفالي والجميع يواجه القدر عينه من عدم اليقين".

وتضيف: "تخرّجت خلال جائحة كوفيد-19، وبدأت العمل في خضمّ الانهيار الاقتصادي، وأنا اليوم أعيش حربًا ثانية خلال عامين فقط. وما زلت أبحث عن معنى للحياة الطبيعية". لقد غيّرت هذه التجربة الدكتورة الغوش، وجعلتها أكثر وعيًا بمسؤولياتها تجاه أسرتها ومرضاها. وتختم بالقول: "بعد كل أزمة، نحاول أن نجد الأمل من جديد. لا يمرّ يوم من دون أن نسأل: هل نبقى أم نرحل؟ كلا الخيارين صعب".