نور نصر، صانعة سلام من لبنان تؤمن بأن الإصغاء طريقٌ إلى التفاهم
التاريخ:
تؤمن نور نصر (27 عامًا)، وهي صانعة سلام شابة من بلدة كفرفاقود في منطقة الشوف اللبنانية، بأن بناء السلام يبدأ من الحياة اليومية. وتقول: "يتحقق ذلك من خلال الإصغاء والاعتراف بالألم وخلق مساحات يمكن فيها إجراء الحوارات الصعبة بأمان وصدق".1
تشغل نور اليوم منصب منسقة برامج مبادرة "حكيلي"، وهي المبادرة التي تدير وتفعّل بيت بيروت، الفضاء الثقافي التابع لبلدية بيروت والمخصص لحفظ الذاكرة وتعزيز الحوار حول إرث الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990). ومن خلال هذا الدور، تشرف على المعارض والزيارات المدرسية وأنشطة السرد القصصي والمبادرات المجتمعية. كما انضمت أخيرًا إلى شبكة نساء فاعلات في بناء السلام في لبنان، ليعزّز ذلك انخراطها في مبادرات بناء السلام والحوار في مختلف أنحاء لبنان.
بدعم من كندا وبالشراكة مع مؤسسة "نواة للمبادرات القانونية"، تدعم هيئة الأمم المتحدة للمرأة المبادرات والأنشطة التي تقودها النساء في بيت بيروت. ومن خلال "حكيلي"، يشارك الأفراد في أنشطة السرد القصصي والتاريخ الشفهي والتأمل الجماعي، على نحو يجمع الشباب والمجتمعات المحلية من مختلف المناطق اللبنانية لتعزيز الحوار وحفظ الذاكرة وتقوية التماسك الاجتماعي والمساهمة في استدامة السلام.
تؤمن نور نصر (27 عاماً) بأن بناء السلام يبدأ بالإنصات. ومن خلال عملها في "بيت بيروت" ومبادرة "حكيلي"، تساهم في خلق مساحات للحوار، ورواية القصص، والتأمل الجماعي في تاريخ لبنان.
رغم أن نور لم تعش الحرب الأهلية اللبنانية بنفسها، لكنها نشأت محاطة بقصصها ومساحات الصمت المرتبطة بها.
تستذكر قائلة: "في عائلتي، كانت الأحاديث تبدأ غالبًا بعبارة: "في تلك الأيام، خلال الحرب الأهلية...". وتضيف: "كان بعض القصص طريفًا، وكان البعض الآخر مؤلمًا، فيما كانت هناك قصص أثقل من أن أستوعبها بالكامل وأنا طفلة".
نشأة وسط ذكريات موروثة
ومن بين القصص التي بقيت عالقة في ذاكرتها، ثمة حكايات عن أطفال كانوا يجلبون المياه تحت وابل الرصاص، وعن عائلات نزحت بين ليلة وضحاها، وعن أشخاص اختفوا أو افترقوا عن أحبائهم.
وتقول: "كانت هناك أيضًا قصص عن نساء اختُطفن ثم عدن وهنّ يحملن وصمة اجتماعية. قصص كانت العائلات تتجنب ذكرها، ومواضيع كاملة كانت تُترك من دون نقاش خوفًا أو خجلًا".
كان والد نور مقاتلًا خلال الحرب الأهلية، وأمضى أشهرًا في السجن. وتقول إن آثار تلك التجارب بقيت واضحة حتى بعد انتهاء الحرب بسنوات طويلة.
ومن أكثر القصص التي تركت أثرًا عميقًا فيها قصة روتها لها والدتها. فخلال الحرب، أعطى جدّ نور زوجته أي جدّتها سلاحًا وطلب منها أن تقتل بناتها ثم تقتل نفسها في حال دخل مسلحون إلى المنزل، معتقدًا أن ذلك سيحفظ "شرف" العائلة.
وتقول نور: "أخبرتني والدتي أنها في تلك اللحظة شعَرَت بخشية من والدتها أكثر من خشيتها من الرجال الموجودين خارج المنزل". بالنسبة إلى نور، كشفت هذه القصص الموروثة أن الحرب لا تدمر المباني فقط، بل تمسّ الأمان والطفولة والكرامة ومعنى الوطن.
وتضيف: "جعلتني هذه القصص أعيد النظر في كل ما كنت أعتقد أنني أعرفه عن لبنان".
وتتابع: "أردت أن أفهم: كيف تَحَوّل الجيران إلى أعداء؟ ولماذا يغيب هذا التاريخ عن كتبنا المدرسيّة؟ ولماذا نرث الذكريات من دون أن نتعلم القصة كاملة؟".
من خلال المعارض والزيارات المدرسية والمبادرات المجتمعية في "بيت بيروت"، تعمل نور نصر على تعزيز الحوار بين الأجيال، وتشجيع الشباب على التأمل في تاريخ لبنان وفهم تأثيراته المستمرة، بما يسهم في بناء مستقبل أكثر سلاماً وتماسكاً.
الإصغاء بوصفه طريقًا إلى التفاهم
شكّل هذا الفضول لاحقًا مسار نور المهني. فبعد تخرجها من كلية الإعلام والتوثيق في الجامعة اللبنانية، عملت مع زملائها على مشروع تخرج يوثق شهادات مقاتلين سابقين في لبنان باتوا اليوم يدافعون عن اللاعنف والحوار. وتقول: "كانت تلك من المرات الأولى التي أستمع فيها إلى أشخاص من خلفيات مختلفة يتحدثون بصراحة عن الحرب الأهلية والندم والعنف والمصالحة". وتضيف: "أدركت أن أيًا من المجتمعات لا يمتلك الحقيقة كاملة".
وأصبح الإصغاء بالنسبة إليها تجربة غيّرت نظرتها إلى الأمور. وتقول: "علّمني التاريخ الشفهي أن الحروب ليست مجرد أحداث سياسية، بل إنها تعيش في أجساد الناس ومخاوفهم وصمتهم".
وترى نور أن تجنب مواجهة تجارب الماضي المؤلمة يسمح للجراح بالاستمرار عبر الأجيال.
تُيسّر نور نصر أنشطة في "بيت بيروت"، حيث تتحول القصص والذكريات والتجارب المعيشة إلى فرص للتعلّم وبناء جسور التواصل بين الأجيال.
خلق مساحات للحوار
من خلال عملها اليوم في بيت بيروت ومبادرة "حكيلي"، تعمل نور على توفير مساحات تتيح للناس التفاعل مع التاريخ الصعب عبر السرد القصصي والحوار الجماعي والمَعارض. ومن خلال جمع تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات، تشجع الأجيال الشابة على التفكير في الحرب الأهلية اللبنانية وآثارها المستمرة.
ومن خلال الحوار بين الأجيال والتعرف إلى وجهات نظر متنوعة، تسهم هذه المبادرات في تعزيز التفكير النقدي حول كيفية استمرار تأثير الماضي على حاضر لبنان، كما تشجع على الحوار والتفاهم المتبادل والالتزام المشترك بالتعايش السلمي.
وتوضح أن بعض الزوار يأتون وهم يحملون غضبًا موروثًا أو روايات جامدة، لكنهم يغادرون أحيانًا وهم يطرحون الأسئلة بدلًا من تكرار القناعات المسبقة. وتقول: "هذا أمر مهم".
وبالنسبة إلى نور، لا يقتصر بناء السلام على المفاوضات السياسية أو الاتفاقيات الرسمية، بل هو أمر متجذر في التفاعلات الإنسانية اليومية.
في بيت بيروت، تتردد أصداء قصص الماضي اللبناني بين جدرانه التي لا تزال تحمل آثار الحرب الأهلية. فقد كان المبنى يومًا يقع على خط التماس خلال الحرب الأهلية اللبنانية، أما اليوم فأصبح مساحة للحوار والذاكرة والتأمل. الصورة: هيئة الأمم المتحدة للمرأة/ جورج روكز، 2025
مسؤولية الأجيال الشابة
تؤمن نور بأن الشباب والشابات في لبنان يؤدون دورًا مهمًا في تحديد كيفية تعامل البلاد مع ماضيها.
وتقول: "لا يمكننا تغيير الماضي، لكننا نملك القرار في كيفية التفاعل معه". وترى نور أن الذاكرة ينبغي أن تكون وسيلة لتعزيز التفاهم لا الانقسام، وأن تُذَكّر الناس بالكلفة الإنسانية للعنف وبالحاجة إلى الحوار والمساءلة.
وتختتم قائلة: "لا تزال هناك صفحات كثيرة مفتوحة في لبنان، لكن التعافي يبدأ عندما نصغي حقًا إلى بعضنا البعض".
- أُتيحت عملية إنتاج ونشر المواد الإعلامية الهادفة إلى إبراز عمل وإسهامات النساء صانعات السلام بفضل الدعم السخي المقدم من حكومة سويسرا.
- للاطلاع على برنامج حكيلي
- عن شبكة نساء فاعلات في بناء السلام في لبنان