احكيلي يا جنوب": النساء يصنّ الذاكرة الجماعية لجنوب لبنان ويرسمن دروبًا نحو السلام
التاريخ:
ثمة معارض تدعو زوّارها إلى التلقّي ، لكن "احكيلي يا جنوب"، المُقام في بيت بيروت، يدعوهم إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إلى استحضار الذاكرة، والتأمل، والمساهمة في نسج حكاية جماعية ما تزال فصولها تُحاك الى الآن. تقول دلفين أبي راشد دارمنسي، القيّمة المشاركة على معرض "احكيلي يا جنوب" والمديرة التنفيذية لمبادرة "احكيلي"، التي تعمل على صون الذاكرة الجماعية في لبنان من خلال السرد، والمشاركة المُجتمعية، وأرشفة القصص: "في هذه الأيام القاسية، حيث تُمحى قرى بأكملها في جنوب لبنان، إنّ أقل ما يمكننا فعله هو أن نصون ذاكرتها من الاندثار."
يبيّن المشهد المباني المدمّرة في النبطية حجم الدمار الذي خلّفه النزاع في مختلف أنحاء جنوب لبنان، حيث فقدت المجتمعات المحلية منازلها، ومعالمها، والأماكن التي تختزن ذاكرة أجيال متعاقبة. الصورة: هيئة الأمم المتحدة للمرأة/رواد الفغالي
بين تشرين الأول 2025 وحتى نيسان 2026، دُمّر 11,095 مبنى (مؤلف من وحدات سكنية) بالكامل في المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني، بما فيها بنت جبيل، ومرجعيون، والنبطية، وصور، وصيدا. ومع فقدان المجتمعات المحلية لمنازلها، وسبل عيشها، ومعالم هويتها، تكتسب المبادرات التي توثق الذاكرة الجماعية أهمية مضاعفة، ذلك أنها تسهم في صون الهوية، وتعزيز الروابط بين الناس، وترميم ما تعجز الحجارة وحدها عن استعادته.
ومن خلال برنامج المرأة والسلام والأمن، تدعم هيئة الأمم المتحدة للمرأة، بتمويلٍ كريم من حكومتي كندا والنرويج، المبادرات التي تقودها النساء للحفاظ على الذاكرة الجماعية، وتهيئة مساحات للحوار، وتعزيز التماسك الاجتماعي. ويُجسّد معرض "احكيلي يا جنوب" هذا النهج، باعتباره نموذجًا في وسع المبادرات الثقافية من خلاله، الإسهام في بناء السلام، عبر الجمع بين المجتمعات المحلية، وإعلاء أصوات النساء، وصون تاريخ قد يطويه النسيان.
أرشيفٌ حيّ وُلد من الحاجة الملحّة
انبثق "احكيلي يا جنوب" من سؤالٍ بسيط في ظاهره وعميق في معناه: ماذا يبقى من ذاكرة مجتمع عندما تختفي الأمكنة التي تحفظها؟ وبدلًا من اختزال الحرب في عناوين الأخبار أو الأرقام والإحصاءات، يحتضن المعرض مساحةً تضمّ التفاصيل الصغيرة التي تصنع هوية المكان، ليغدو أرشيفًا حيًا لذاكرة جنوب لبنان، حيث تُوثَّق القصص، وتُتداول، وتنتقل من جيل إلى آخر.
وفي مساحة "احكيلي يا جنوب"، لا تقتصر حماية الذاكرة على عرض المقتنيات أو الأعمال الفنية، بل تتحول إلى فعلٍ جماعي يشارك فيه الناس. فالمعرض لا يكتمل عند افتتاحه، بل يواصل التشكّل مع كل زائر يعبر أبوابه.
يصغي الزوار والزائرات إلى شهادات شخصية من جنوب لبنان، حيث تتحول الذكريات المشتركة إلى جسرٍ يعمّق الفهم المتبادل ويُسهم في بناء السلام. الصورة: دلفين أبي راشد دارمنسي
إلى جانب تأمل الأعمال الفنية المستوحاة من التجارب الجماعية، يُدعى الزوار/الزائرات إلى الإسهام في هذا الأرشيف الحي، عبر مشاركة صورهم، ومقتنياتهم التراثية، وأرشيف عائلاتهم، والأفلام، والرسائل المكتوبة بخط اليد، وسائر الذكريات التي تختزنها الأشياء.
ولا تنتهي الرحلة أمام تصميم أو صورة معلّقة على جدار، بل عند صفحةٍ بيضاء تنتظر من يَكتب/تَكتب عليها. ففي ختام الزيارة، يُدعى كل زائر/ة إلى كتابة رسالة لشخص يفتقده، أو لمنزل الطفولة، أو لجارٍ غاب، أو لقريةٍ غيّرتها الحرب، أو لمجتمع تبدّل بفعلها.
وتوضح دلفين: "لا يأتي الناس إلى هنا لمجرد زيارة معرض، بل يدخلون فضاءً حيًا حيث يجدون مساحة لمشاركة حكاياتهم وتجاربهم". وتضيف أن المعرض تحوّل أيضًا إلى جسرٍ يصل بين المجتمعات المختلفة.
والحال أنّ أبناء وبنات الجنوب يرون في الأعمال المعروضة انعكاسًا لقصصهم وحياتهم، فيما يكتشف زوار آخرون روايات لم يسمعوها من قبل. وهناك من يكشف للمرة الأولى صورةً عائلية ظلّت حبيسة أحد الأدراج لعقود، فيما يجد غرباء أنفسهم يتحاورون بعدما جمعتهم رسالة واحدة قرأوها في المكان.
عبر الأجيال، يتفاعل الزوار والزائرات مع أفلام وثائقية تصون ذاكرة جنوب لبنان، وأصواته، وتاريخه، وتسلّط الضوء على عقودٍ من الصراع والصمود وتفاصيل الحياة اليومية.الصورة: دلفين أبي راشد دارمنسي
وتضيف دلفين: "من خلال هذه القصص الشخصية، يقترب الزوار/الزائرات من واقع ربما لم يعرفوه من قبل. وحين تتقاطع التجارب الإنسانية، يولد التعاطف". وتؤكد أن أكثر ما يلامس مشاعرها في المعرض هو الرسائل التي يتركها الزوار خلفهم.
وتقول: "ذلك هو الجزء الأصعب بالنسبة إليّ." فبعض الرسائل تحكي عن قرى يتوق أصحابها إلى العودة إليها، وأخرى تستحضر الأجداد، والجيران، وبيوت الطفولة التي لم تعد قائمة. ومع كل رسالة جديدة، يتشكل أرشيف حيّ يوثق الفقد والانتماء في آنٍ معًا.
وجاء في إحدى الرسائل بالعاميّة: "سلّم على الجيران، بيت جديّ يلي دمرته اسرائيل. منرفض نحن نموت."
وتضيف دلفين: "قراءة هذه الرسائل موجعة إلى حدٍّ كبير."
في ختام المعرض، تتحوّل الصفحة البيضاء إلى مساحة للوفاء والحنين. يكتب الزوار والزائرات رسائل إلى قراهم/ن، ومنازلهم/ن، وأحبّائهم/ن الذين يتوقون إلى لقائهم أو العودة إليهم، لتصبح رسائلهم جزءاً من الأرشيف الحي لذاكرة جنوب لبنان. الصور: هيئة الأمم المتحدة للمرأة في لبنان/زكيه قرنفل
حين تتحول الذاكرة إلى مسار لبناء السلام
بالنسبة إلى نور نصر، منسقة مبادرة "احكيلي" وإحدى صانعات السلام المشاركات في برنامج المرأة والسلام والأمن التابع لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، يشكّل معرض "احكيلي يا جنوب" مساحة للحوار والتلاقي وتعزيز التماسك الاجتماعي.
وتقول: "لا يزور الناس معرضًا فحسب، بل يعيشون تجربة متكاملة. فهو يؤسس لمساحة مشتركة تجمع أبناء الجنوب بزوار من مختلف المناطق اللبنانية، بما يعزز الفهم المتبادل والتضامن، وهما ركيزتان أساسيتان في بناء السلام."
وتضيف: "حين يغادر الزوار/الزائرات وهم يحملون فهمًا أعمق، ولو قليلًا، لقصص الآخرين، فإن لذلك أثرًا بالغ الأهمية". وتلفت نور إلى الدور المحوري للنساء في صون الذاكرة الجماعية، قائلة: "ليس من قبيل الصدفة أن يتصدّر النساء عملية توثيق قصص الجنوب، فمعظم الفنانات والفنانين المشاركين/ات في "احكيلي يا جنوب" هنّ من النساء."
وتتابع: "من خلال توثيق هذه الحكايات، يضمنُ النساء أن ترث الأجيال المقبلة ليس تاريخ الصراع فحسب، بل تاريخ الحياة التي كافحت رغم كل شيء، أيضًا."
تُعرّف نور نصر الزوار بالحكايات التي تنسجها أعمال معرض «احكيلي يا جنوب»، حيث تتحول الذكريات الشخصية إلى مساحة لتعزيز التماسك الاجتماعي وبناء السلام. الصورة: هيئة الأمم المتحدة للمرأة في لبنان/زكيه قرنفل
رحلة عبر الذاكرة
يوثّق الفنانون والفنانات اللبنانيون المشاركون/ات في المعرض الذاكرة بقدر ما يوثقون آثار الحرب. ففي عملها "ما تبقّى"، تستحضر الفنانة سما بيضون الذكريات والأماكن واللحظات التي ما زالت تسكنها، وتسكن قريتها، وعائلتها، والحياة التي عرفتها قبل الحرب.
وفي أعماله "بعد العشاء"، و"مفاتيح بلا بيوت"، و"قصص من الجنوب"، يصون الفنان أديب فرحات التاريخ الشفهي والذكريات الشخصية، ويستكشف آثار الاحتلال والنزوح، والعلاقة العميقة التي تربط الإنسان بالأمكنة، والأشياء، والأصوات التي تشكّل معنى الوطن.
في عمل «قصص من الجنوب»، تجتمع مقتنيات من سنوات الاحتلال مع شهاداتٍ شفوية مسجّلة، لتصون أصوات المجتمعات المحلية وذكرياتها، وتدعو الزوار إلى الإصغاء والتأمل والتذكّر. الصورة: هيئة الأمم المتحدة للمرأة في لبنان/زكيه قرنفل
وفي زاوية أخرى من المعرض، تستعرض الفنانة بتول فاعور، من خلال عملها "المستشفى، المعتقل، والمطار" صورًا فوتوغرافية ومواد أرشيفية وأفلامًا وثائقية تكشف كيف أعادت عقود الاحتلال العسكري تشكيل المكان والذاكرة الجماعية.
أما في عملها "بس قرّب موسم الرمان"، فتجمع الفنانة رُباب شمس الدين بين الصورة الفوتوغرافية والسرد الصوتي، في تأملٍ للعلاقة بالذاكرة، والتشبث بالأرض، واستمرار تفاصيل الحياة اليومية رغم تكرار دوامات العنف وعدم اليقين.
في عمل «بس قرّب موسم الرمان»، تستند الفنانة رُباب شمس الدين إلى صور عائلية وصور لقطاف الزيتون المتجذّرة في أرضها، لتتأمل الذاكرة والانتماء والعلاقة العميقة التي تربط الإنسان بأرضه.
الصورة: هيئة الأمم المتحدة للمرأة في لبنان/زكيه قرنفل
وفي عملها "خطوط التغريب"، تستند الفنانة روان مازح إلى مراسلات عائلة خضعت للرقابة وصور فوتوغرافية لتستكشف كيف يصنع الاحتلال مسافاتٍ بين الناس، ويترك آثارًا عميقة تمتد عبر الأجيال.
يغادر زوار "احكيلي يا جنوب" المعرض وهم يحملون تقديرًا أعمق للدور الذي تؤديه الذاكرة الجماعية في توطئة مساحات للحوار، وصون التاريخ المشترك، وتعزيز الروابط بين الأجيال والمجتمعات المحلية
رسائل وُجّهت إلى أفراد من العائلة كانوا محتجزين في معتقل الخيام، توثّق مرارة الفراق التي عاشتها الأسر خلال فترة الاحتلال. وفي عمل «خطوط التغريب»، تصبح هذه الرسائل جزءاً من تأملٍ أوسع في الذاكرة والفقد والانتماء. الصورة: هيئة الأمم المتحدة للمرأة في لبنان/زكيه قرنفل
وترى هيئة الأمم المتحدة للمرأة في مبادراتٍ كمثل "احكيلي يا جنوب" تجسيداً حيّاً لقدرة صون الذاكرة على أن يكون فعلًا من أفعال بناء السلام؛ فهو يفتح آفاق الحوار، ويعزّز الاعتراف بتجارب الآخرين، ويُرسّخ الفهم المتبادل بوصفه أساساً لمجتمعات أكثر تماسكاً.
--------------------------------------------------
- وفقاً للتقييم السريع للأضرار على مستوى المباني، الذي أصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) في حزيران 2026، بالتنسيق مع المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان.
نبذة عن المعرض: يُقام معرض "احكيلي يا جنوب" في بيت بيروت ضمن مبادرة "احكيلي - Hkeeli". ويُغلق المعرض حاليًا مؤقتًا لإجراء أعمال تقنية، على أن يُعاد افتتاحه في 2 أيلول 2026، ليستأنف استقبال الزوار/ الزائرات، ومواصلة جمع القصص، والصور، والذكريات الشخصية التي تُسهم في إثراء هذا الأرشيف الحي.