في ظلال الفقد والنزوح... تسهم نور في تعافي مجتمعها في بعلبك
التاريخ:
في الثالثة والعشرين من عمرها، عرفت نور حيدر وطأة النزاع في لبنان عن قرب؛ في حياتها الشخصية، وفي عملها إلى جانب آخرين وأخريات طالتهم/ن تداعياته. كانت نور ما تزال على مقاعد الجامعة حين تلقت نبأ مقتل شقيقها علي، الذي كان يخدم في صفوف الجيش اللبناني. كان في الثانية والثلاثين من عمره، وأباً لطفلتين.
تستعيد نور تلك اللحظة بحسرة: "شعرتُ وكأن حياتي قد توقفت".
في الأشهر التي تلت الحادثة، وجدَت نور في مساعدة الآخرين سبيلاً لتحويل حزنها إلى عطاء. تقول: "كنت أشعر أن تطوعي ومساعدتي للناس سيُسعدان أخي".
اليوم، تساند نور الأشخاص المتأثرين بالنزاع والنزوح في بعلبك ومحيطها، شرقي لبنان. وبعد أن تلقت تدريباً في الإسعافات الأولية النفسية، أمضت العامين الماضيين متطوعةً مع جمعية "كَرَمَ" الإنسانية، وهي منظمة محلية يضطلع فيها النساء بدور قيادي.
بعد أن اختبرت نور حيدر بنفسها مرارة الفقد والنزوح، وجدت في مساندة الآخرين المتأثرين بالنزاع معنىً وغاية. الصورة: هيئة الأمم المتحدة للمرأة/جورج روكز
ما هو أبعد من الغذاء والمأوى
عرفَت نور عن قرب ما يحمله النزوح من قلقٍ وعدم يقين.
تضرّرت مصادر رزق أسرتها خلال نزاع عام 2024. وفي عام 2026، أجبرت الغارات العنيفة نور ووالدتها ووالدها - الذي يعاني من مشكلة في الجهاز التنفسي- وإخوتها على مغادرة منزلهم في بلدة دورس، والنزوح على بُعد نحو عشرة كيلومترات إلى بلدة معربون بحثاً عن الأمان. وحين تمكّنت العائلة أخيراً من العودة، كان منزلها قد تضرر كثيرًا.
بالنسبة إلى نور، لا تقتصر المساعدة الإنسانية على تلبية الاحتياجات الآنية. وتقول: " يبدأ الأمر بالطريقة التي نعامل بها الناس".
وما تزال إحدى التجارب عالقة في ذاكرتها. وصلت مريم، وهي أم نازحة، إلى أحد مراكز الإيواء برفقة ابنتها البالغة من العمر عشر سنوات وولديها اللذين يبلغان الثامنة والخامسة من العمر. وقبل أن تسأل عن الطعام، كان سؤالها الأول: هل ثمة ألعاب لأطفالها؟
تقول نور: "لقد أُجبروا على مغادرة منازلهم. لم يكونوا بحاجة إلى الطعام وحصص النظافة فحسب، بل كانوا بحاجة أيضاً إلى شيء يعيد إليهم الإحساس بحياة طبيعية".
كان طلباً بسيطاً، لكنه حمل في طياته ما قد تغفله الاستجابة وسط وطأة الأزمة: لا تحتاج الأسر إلى الغذاء والمساعدات المادية فحسب، بل إلى ما يصون كرامتها، ويحفظ روابطها الإنسانية، ويعيد إلى أيامها شيئاً من الحياة الطبيعية؛ ما يساعدها على التكيّف وشقّ طريقها نحو التعافي.
في مختلف أنحاء لبنان، ظل أكثر من 348 ألف شخص نازحين داخلياً إلى تاريخ 24 آب، رغم عودة بعض الأسر عقب الإعلان عن وقف إطلاق النار، في 19 حزيران. وفي بعلبك، باتت مراكز الإيواء الجماعية التي استضافت الأسر النازحة في السابق خالية، إلا أن نحو 30 أسرة من جنوب لبنان والقرى المجاورة، ممن دُمّرت منازلهم، لا تزال تقيم في منازل خاصة وقاعات مجتمعية متعددة الاستخدامات ودور للعبادة في أنحاء المدينة.
إعادة بناء ما هو أبعد من المنازل
قبل النزاع الأخير، انشغلت نور بدراستها وتطلعاتها إلى المستقبل. لكن حجم الخسائر التي شهدتها دفعها إلى التفكير على نحو أعمق في ما يعنيه التعافي بالنسبة إلى جيلها.
والحال إنّ بعض أصدقائها في الجامعة تركوا دراستهم لأنهم، كما تقول، "لم يعودوا يرون مستقبلاً لأنفسهم".
لذلك، لا تختصر نور إعادة البناء في ترميم ما تهدّم أو استعادة الخدمات الأساسية؛ ففي نظرها إنّ إعادة البناء، تعني أيضاً أن يستعيد الشباب ثقتهم بأنفسهم، وأن يؤمنوا بأن لهم مكاناً ودوراً في رسم مستقبل مجتمعاتهم.
وتختصر نور هذه القناعة بعبارة واضحة: "الاستسلام ليس خياراً".
نساء يحافظن على تماسك مجتمعاتهن
على امتداد الأزمة، شاهدت نور نساء يحملن مسؤولية أسرهن، فيما كنّ في الوقت عينه سنداً لنساء أخريات ولمجتمعاتهن.
والدتها ناديا، البالغة من العمر 60 عاماً، هي أقرب هذه النماذج إلى قلبها فقد ظلت ركناً تستند إليه العائلة خلال النزوح وبعد فقدان ابنها. وتقول نور إن والدتها رغم خوفها وحزنها، حافظت على تماسك الأسرة، وواصلت رعاية من حولها.
"منحتنا القوة"، تقول نور.
تلقت نور حيدر تدريباً على الإسعافات الأولية النفسية، وكرّست العامين الماضيين للتطوع ومساندة الأسر المتأثرة بالأزمة، ومساعدتها في الوصول إلى المساعدات بما يحفظ كرامتها. الصورة: هيئة الأمم المتحدة للمرأة/جورج روكز
ورسّخت هذه التجارب إيمانها بالدور المحوري للنساء في تماسك الأسر والمجتمعات وصون قدرتها على الصمود، كما أعادت تشكيل نظرتها إلى الدور الذي يمكنها هي نفسها أن تؤديه.
وتقول: "واجهت عقبات، ليس فقط لكوني امرأة، بل أيضاً لكوني شابة. لكنني استطعت تجاوزها وإثبات نفسي من خلال عملي".
وخلال نزوح عائلتها إلى معربون، لاحظت نور هذا الدور يتجسّد أيضاً في أمثلة من التضامن بين النازحين والمجتمع المضيف. والحال إنّ السكان ساعدوا الأسر الوافدة على التعرّف إلى محيطها والتأقلم معه، فيما بادرت النساء إلى الاطمئنان على نساء أخريات، والإصغاء إليهن، ومساعدة الأسر في الوصول إلى ما تحتاجه من دعم.
وتقول نور: "كانت الإنسانية أقوى من كل ما كان يفرّق بينهم".
كما وجدت نور في مساندة الآخرين معنىً وغاية.
تقول: "عندما بدأتُ العمل الإنساني، لم أعد أستطع الابتعاد عنه. أدركتُ أن حتى كلمة واحدة يمكن أن تُحدث فرقاً".
وفي الثالثة والعشرين من عمرها، ما تزال نور تبني مستقبلها، فيما تسهم، من خلال تطوعها، في مساعدة آخرين على استعادة الأمل بمستقبلهم أيضاً.
أما رسالتها إلى الشابات، فتختصر الكثير مما تعلّمته من تجربتها:
"لا تستسلمن. لبنان ومجتمعكن بحاجة إليكن. لا يمكنكُن تخيّل حجم الأثر الذي يمكن أن تُحدثنه من حولكن".