على لسان رنا غنوي: « أريد أن أغتنم كل لحظة في حياتي، وأستمد إلهامي من أولئك الذين فقدوا أحلامهم وأحباءهم »
التاريخ:
في 28 أيلول/سبتمبر 2024، وعلى بعد أميال قليلة من بلدتها، كفررمان، كادت رنا غنوي البالغة من العمر 42 عامًا، وهي والدة لطفلين، أن تفقد أطفالها عندما اندلع حريق في سيارة أمامها، إثر غارة جوية أدت إلى مقتل جميع من كانوا بداخلها. رنا هي أخصائية اجتماعية حاصلة على دبلوم في الإشراف الصحي والاجتماعي والإدارة المؤسسية، وماجستير في علم نفس الأطفال والمراهقين والوساطة الأسرية، وقد أعدت دراسة عن احتياجات العائدين/ات لصالح هيئة الأمم المتحدة للمرأة.
« استغرق وصولنا من كفررمان إلى صيدا 14 ساعة، ومن هناك انتقلنا لاحقًا إلى عكار. كان هناك الآلاف من النازحين، معظمهم من الأطفال والنساء اللواتي اضطررن للفرار بمفردهن مع أطفالهن لأن العديد من الأزواج رفضوا المغادرة.
بدأت بتقديم المساعدة للنازحين/ات. ونظرًا لأنني كنت نازحة أيضًا، فقد كانت لدينا نفس الاحتياجات. لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا حتى بدأنا بتلبية ما هو أكثر من الاحتياجات الأساسية، مثل الطعام، ومياه الشرب، والمأوى، حيث كان هناك احتياجات إضافية للنساء لا تقل أهمية، مثل توفير الخصوصية، خاصة بالنسبة للمحجبات والحوامل والمرضعات اللواتي كنّ موجودات في الملاجئ التسعة التي قمت بزيارتها.

ساد في مراكز الإيواء جو من التوتر الشديد والقلق. وقد عانى النازحون/ات من ضغوط نفسية هائلة، تجلّت في زيادة ملحوظة في حالات العنف الأسري. في أحد مراكز الإيواء التي كنت مسؤولة عنها، وقعت حالتا طلاق في أسبوع واحد!
كان الرجال المتواجدون عاطلين عن العمل، وبعيدين عن منازلهم، وعائلاتهم، ومصادر رزقهم، وعاجزين عن فعل أي شيء. يلقي المجتمع على عاتقهم أعباءً ثقيلة، وحين يفشلون في تلبيتها، يشعرون بضغط تراكمي يترجم أحياناً باللجوء إلى العنف.
وقفت أنا وزملائي/زميلاتي إلى جانب النساء المعنفات، وقدمنا لهن الدعم النفسي والمعنوي، والاستشارات المتعلقة بالصحة النفسية والجنسية. وما زلنا على تواصل دائم معهن حتى اليوم.
للأسف، أثبتت الأزمة التي مررنا بها أنه على الرغم من كل التقدم الذي أحرزناه في مجال حقوق المرأة، لا يزال هناك الكثير من العمل الذي ينبغي القيام به. فلا تزال هناك نساء غير مُدركات لحقوقهن. علينا أن نسعى بكل جهد لبناء جيل جديد من النساء المتمكنات وهنّ في ظني الأسرع والأكثر فعالية في الاستجابة أثناء الأزمات.
تواصلت معي هيئة الأمم المتحدة للمرأة في اليوم الأول من وقف إطلاق النار، وطلبت مني إعداد دراسة عن احتياجات العائدين/ات، والتي من خلالها تمكنّا من تأمين المساعدة لأكثر من 311 عائلة.
على نحو إجمالي، تمكّنت مع مجموعة من الأصدقاء، وبموارد متواضعة للغاية، من مساعدة أكثر من ألف أسرة.
أطمح إلى تنفيذ مشروع يهدف إلى تمكين المرأة في الجنوب في أحد الأيام، لتصبح كغيرها من النساء المتمكنات المستعدات لمواجهة أي أزمة. في أوقات السلم، ينبغي لنا تكثيف جهودنا لتدريب النساء على مفهوم السلام وبدايته الأطفال في المنزل، ليتسع ويمتد الى المجتمع ككل. علينا أن نستثمر في النساء لتنشئة جيل ينمو في السلام.
من المؤكد أن هذه التجربة التي عشناها ستترك آثارًا في قلوبنا وأرواحنا وعقولنا. أشبّه النزوح بالشجرة المثمرة التي تم انتزاعها من موطنها وزرعها في مكان غريب وبعيد، فهي في الغالب سوف تجفّ.
خلال فترة القتال، كنتُ مثل تلك الشجرة، بعيدة عن الجنوب وبيتي وأشيائي وعائلتي. أتذكر أنب ابتسمت لأول مرة بعد فترة طويلة من عودتي إلى المنزل. وعندما ابتسمت، أدركت كم مضى من الوقت دون أن أبتسم.
أنا أحب الحياة، لكن في أعقاب التجارب التي مررت بها، وبعد أن رأيت الموت عن قرب مع أطفالي، أصبح حبي للحياة مختلفًا تمامًا الآن. لا أريد أن يمر يوم واحد وأنا أشعر بالحزن أو الخوف أو القلق. أريد أن أستمتع بكل لحظة من حياتي، وأستمد إلهامي من أولئك الذين واللواتي فقدوا أو فقدن أحلامهم وأحباءهم ».