منى فواز تعيد صوغ نوعية الحياة في المدن

التاريخ:

منى فواز هي أستاذة الدراسات الحضرية والتخطيط في الجامعة الأميركية في بيروت والمؤسسة المشاركة في "مختبر المدن بيروت"، وهو بمثابة ساحة بحوث تعاونية ومُتعدّدة التخصّصات. يُنتج المختبر معرفة علميّة حول التحضّر في لبنان. نشرَت فواز أكثر من 50 مقالاً علمياً، وأقساما في كتب، وتقريراً. تنشغل فواز على نحو عميق بالارتقاء بنوعية الحياة في المدن والعمل من أجل مساحات عامة أكثر شمولاً وعدلاً وقابلية للاستمرار.

 

Mona Fawaz at the Beirut Urban Lab. Photo: UN Women/Lauren Rooney
منى فواز. الصورة: هيئة الأمم المتحدة للمرأة/لورين روني

بعد حصولها على شهادة في الهندسة المعمارية عام 1995، وجدَت فواز أن ممارسة الهندسة المعمارية في لبنان محصورة للغاية: لم تكن مهتمة بتطوير المباني الراقية، ولم تجد فرصًا أخرى للعمل في هذه المهنة. كانت مفتونة بالتخطيط المدني الذي ركّز على نوعية الحياة في المدن، لا سيما أن التخطيط يضمّ اهتمامات عميقة بالاندماج الاجتماعي، والمسؤولية البيئية، والقيم الأخرى التي تهتم بها.

تقول: "قبل ارتيادي "معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) "، كنت أعتقد أن المساكن العشوائية التي تم تطويرها حول بيروت ومدن أخرى قد نتجت عن فوضى الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، وهذا ما كان يقوله الجميع. في "معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا"، أدركتُ أن معظم المدن في جميع أنحاء العالم تتطور بشكل عشوائي، وأن هذه المناطق ذات الدخل المنخفض حيث يعيش الناس في ظروف سيئة، مُنتهكين قوانين الملكية وقوانين البناء وأنظمة تقسيم المناطق، هي نتيجة الظلم الاجتماعي والقوانين غير الملائمة التي تحتاج إلى معالجة من خلال التخطيط ".

من خلال مشاركتها الفاعلة في التحولات الجارية في بيروت، تدعو فواز إلى تطوير هذه العشوائيات التي تعود وفق أبحاثها إلى الخمسينيات من القرن الماضي. تشير إليها كـ "أحياء غير مستقرة" وتوضح أنها "كانت قانونية في البداية. المهاجرون الذين وصلوا إلى بيروت مع موارد ماليّة قليلة كانوا بحاجة إلى الإقامة بالقرب من المصانع وأماكن العمل والمطار، لذلك استقروا في حي السلّم والزعترية ومناطق أخرى في الضواحي البعيدة لبيروت. قاموا بعد ذلك بتقسيم القطع الكبيرة إلى وحدات صغيرة. اشتروا 100 إلى 150 متر مربع من الأرض وبنوا المنازل. مع مرور الوقت، تبنّى لبنان المزيد من القواعد الحضرية، وأصبحت هذه المساكن غير قانونية. يشير هذا الأمر إلى حقيقة أن القوانين الحضرية صُممت من قبل أفراد يجرّمون الفقراء، بدلاً من محاربة الظلم الهيكلي الذي يؤدي إلى الفقر في المقام الأول. أردتُ إعادة التفكير بدور التخطيط في عملي وإعادة صوغه من خلال البحث في هذه الأحياء غير المستقرة ".

تتطرّق مؤلِّفات فواز إلى التاريخ الحضري، والتأريخ، والعدالة الاجتماعية والمكانية، والعشوائية والقانون، والملكية والفضاء، بالإضافة إلى التخطيط باعتباره ممارسة ونظرية وبيداغوجيا .فيفي عام 2018، ساهمت مع ثلاثة أساتذة باحثين آخرين يعملون معًا منذ عام 2006 في التخطيط الحضري لإطلاق "مختبر المدن بيروت"، في الجامعة الأمريكية في بيروت. يعمل هناك اليوم حوالي 25 باحثًا وباحثة، وقد أصدرت فواز منشورات حول التنمية الحضرية في لبنان، وحوكمة المدن، والتعافي بعد الكوارث، والمساحات العامة، وغيرها. تشرح قائلة: "لقد اجتمعنا معًا للعمل على مسألة التعافي بعد الكوارث في أعقاب حرب 2006 في لبنان. نهدف إلى خلق المزيد من المعرفة حول التحضر في بيروت، وإلى إطلاق محادثات حول التحضر في لبنان، وفتح تأملات نقدية مشتركة مع مختبرات بحثية أخرى، إقليمياً ودولياً ".

يقارب "مختبر المدن بيروت"، المدينة بلغة جديدة. يريد غرس ثقافة البحث والتفكير القائمة على البيانات. في عام 2019، طوّرت فرق البحث في المختبر خريطة دقيقة لبيروت. شملت الخريطة جميع المباني وطبقات البنية التحتية، بالإضافة إلى حدود المسح العقاري. ثم قصد الفريق الموقع وقام بمسح جميع المباني التي تم تطويرها في المدينة منذ عام 1996. تقول فواز: "ذهبنا إلى الموقع لتوثيق من قام ببناء هذه الوحدات، ولماذا تم بناؤها، وكيف يتم بيعها. إتضح أن 23٪ من الوحدات التي تم تشييدها في السنوات العشرين الماضية خالية وغير مفروشة. يتم تركها فارغة، في الغالب لأغراض المضاربة. بيروت هي "مدينة للبيع" لأننا نستخدم الأرض للإستفادة من الرسوم الحالية وللدفع باتجاه المزيد من الاستثمار العقاري. نقوم بذلك على حساب السماح للناس بالعثور على مكان حيث يقيمون. يحدث هذا لأننا في لبنان نعفي شواغر الملكية من دفع الضرائب. عادةً، تقوم المدن بزيادة الضرائب على الشواغر. يجب اعتبار المدينة مكانًا للعيش ومحركأً للنمو. عندما تَترك ربع الشقق فارغة، فهذا يعني أنك تضحي بتنمية المدينة واقتصادها المحلي، بمتجر البقالة المحلي والشركات المحلية. نحن نحاول تقديم مقترحات قانونية لمعالجة هذه المشكلة ".

تريد فواز أن يكون عملها ذا مغزى. خلال السنوات العشرين المنصرمة، عَمِلَت على نظريات التغيير وعلى مشاركة معرفتها مع مجموعات ناشطة تعمل على التحضّر في المدينة. وتوضح أن "أحد الأمثلة هو ساحل بيروت الذي تمت خصخصته على نحو كبير، على الرغم من أن القانون يحمي هذه المساحة وبوضوح كمساحة عامة مشتركة. بدأت في البحث عن طرق لاستعادة الساحل كمساحة عامة، حتى عندما يتم تسجيل الممتلكات على أنها خاصة. لقد وجدت سوابق قانونية وحقائق تساعد في تحقيق هذا الهدف. وبذلك، فإن عملي يكمل عمل النشطاء الآخرين الذين يعملون على هذه القضايا. من المهم التفكير بنظام بيئي للتغيير إذا كنت تريد أن ترى التغيير يحدث فعلاً ".

في أعقاب الانهيار المالي، يركّز "مختبر المدن بيروت"، على تحديات الإسكان. تجري فواز بحثًا حول الرهون العقارية، وتدقق في تأثيرها على الأسر ذات الدخل المنخفض. ثمة مشروع آخر وهو "مدينة المستأجرين" وهو كناية عن منصة لجمع البيانات عن الإيجارات بناء على مدخلات المستخدمين/ات. الهدف الرئيسي هو مساعدة الباحثين/ات عن المنازل في بيروت على الوصول إلى معلومات حول سوق الإيجارات وأسعارها، نظرًا إلى أن الافتقار إلى الشفافية غالبًا ما يعمل ضد قدرتهم على الوصول إلى مأوى مناسب. تقول فواز: "نحتاج إلى أنظمة حضرية للاعتراف بحقوق الناس في المدينة حيث يمكنهم الحصول على رعاية نهارية وفرص عمل. نريد نموذجًا يخلق فرصًا حيث تستعيد الأرض قيمتها الاجتماعية. الأرض ليست أصلًا للمضاربة. ماذا نفعل بالمدينة ولمن هذه المدينة؟ كيف نخلق نموذجًا اقتصاديًا يمكن أن يدعم سبل عيش الناس بشكل أكثر إنصافًا؟ يجب أن يوفر النظام القانوني للناس مساحة حيث يمكنهم أن يعيشوا بكرامة ".

تعتقد فواز أنه على الرغم من الأزمة الحالية في لبنان، هناك دائمًا جانب إيجابي. أصبح الناس في لبنان الآن على استعداد للتحوّل إلى الطاقات المتجددة والتفكير بشكل جماعي. "يحاول الجميع الآن اللجوء إلى الطاقة الشمسية، حيث لم يعد بإمكانهم تحمل تكلفة الكهرباء المنتجة من الوقود الأحفوري. أصبحوا الآن أكثر استعدادًا لاستخدام وسائل النقل العام لأن الوقود بات باهظ الثمن ".
قبل عشرين عامًا، اعتقد الكثيرون أن النشاط في مجال المناخ هي رفاهية. اليوم، البرنامج الأخضر هو برنامج قابل للتطبيق اقتصاديًا. تضيف فواز: "لا أقترح إنشاء غابة حضرية أو متنزه حضري، فجأة، في بيروت، لكني أقترح إنشاء أرصفة حيث يمكننا دفع عربة الأطفال. لقد رأيت الكثير من الحركات الشبابية تطالب بالمساحات العامة. أعتقد أن احتجاجات 2019 أظهرت قدرة المواطنين على الانخراط في الشؤون العامة واستعدادهم للمشاركة في مناقشات صنع القرار. أصبحَت مواقف السيارات وأماكن المضاربة الفارغة فجأة مجالًا عامًا حيث  يجتمع الناس  للنقاش وفهم الأمور الحاسمة". 

تضيف فواز: "في لبنان، تم تشجيع الناس على الإساءة إلى البيئة. عندما يتم تدقيق المباني، من الشائع أن نجد أنه يمكن تقليص حوالي 40٪ من نسبة استخدام الكهرباء. في ظل السياسة العامة التي قامت على نحو متعمد، على دعم الوقود، لم يهتم الناس بتكلفة الكهرباء. أحد مشاريعنا الحالية مع أحد المختبرات في "معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا" هو التحقيق في الأنظمة الحضرية وتلك المرتبطة بالإسكان. نحاول اقتراح أنظمة حضرية تحدد حجم المباني على نحو متصل بالطاقة الشمسية، بحيث يمكن للأحياء الحضرية تأمين شريان الحياة الكهربائي في الحد الأدنى، من خلال الطاقة الشمسية وبأسعار معقولة".

بالنسبة لفواز، يرتبط العمل المناخي بتغيير الطريقة التي نتعامل بها مع البيئة حيث نعيش "لا يتعلّق الأمر باختيار بصمتنا الكربونية فقط ولكن بفهم دورنا كبشر على هذا الكوكب، بقدر أكبر من التواضع".