على لسان فايزة بله: "نحتاج إلى المزيد من القوانين المصادق عليها لحماية حقوق الإنسان وضمان المساواة بين الجنسين"
التاريخ:
فايزة بله محامية في الاستئناف تعمل إلى جانب نقيبة المحامين في طرابلس المحامية ماري-تيريز القوّال. تتمتّع بله بأكثر من 20 عامًا من الخبرة في مجال القانون والقضاء، وتلتزم دعم القواعد والأنظمة التي تخدم مصلحة النساء والفتيات في لبنان، على أفضل نحو.
تُعدّ فائزة واحدة من 115 محامياً\ةً تدعمهم/نّ هيئة الأمم المتحدة للمرأة في إطار مشروع "تعزيز المساعدة القانونية والوصول إلى العدالة في لبنان" الذي يُنَفَّذ بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وبتمويل من حكومة هولندا. يسعى المشروع إلى ضمان وصول النساء الأكثر ضعفًا إلى العدالة من خلال زيادة الوعي بشأن حقوقهن، وتوفير أنظمة قضائيّة رسميّة وغير رسميّة عادلة وفعّالة. في الوقت الحالي، تقدّم فايزة المشورة القانونيّة المجانيّة والدعم للمحامين/ات الذين/اللواتي يعملون/يعملن على قضايا تتعلّق بالنساء والفتيات في طرابلس ومحيطها.

المحامية فايزة بله في مكتبة نقابة المحامين في طرابلس - لبنان. الصورة: هيئة الأمم المتحدة للمرأة / لورين روني
"قد تشكّل ممارسة القانون بالنسبة إلى المرأة تحدّيًا صعبًا لأنّها تحتاج غالبًا إلى إثبات كفاءتها لكسب ثقة الآخرين، بينما ينال الرجل ثقة الآخرين العمياء لمجرّد انه رجل. لاحظتُ أنّ المحاميات يحتجن إلى المزيد من الوقت لإثبات جدارتهن أمام الآخرين، وغالبًا ما يبذلن جهدًا إضافيًا في أي قضيّة يوكلن بها لتسخير قدراتهنّ وبلوغ المراكز التي يستحقِقنها.
في ما يتعلّق بقضايا التحرّش الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، غالبًا ما يفضّل عددٌ كبير من النساء تعيين محاميات عوضاً عن المحامين لأنّهن يفترضن أنّ المحامين قد يخزَونهنّ أو لا يصدقونهنّ أو يستغلونهنّ. وفي أكثر من مرّة، أخبرني عددٌ كبيرٌ من النساء اللواتي عملت معهنّ أنّ المحاميات يُجدن التحدّث إليهن والتفاهم معهنّ أكثر من المحامين، كما يعرفن استخدام الكلمات المناسبة خلال معالجة هذه القضايا. من المهمّ للمحامين والمحاميات الذين يتعاملون/لن مع الناجيات استعمال المصطلحات الصحيحة لتجنّب إخزاء موكلاتهم التسبّب بدخولهن في حالة صدمة من جديد.
في إطار مشروع "تعزيز المساعدة القانونية والوصول إلى العدالة في لبنان"، تمّت استشارتي في عددٍ من القضايا بما أنّنا ندعم بانتظام النساء والفتيات اللواتي يعشن في طرابلس واللواتي يبلّغن عن تعرّضهنّ للعنف القائم على النوع الاجتماعي، فضلاً عن قضايا أخرى لها تداعيات اقتصاديّة، وماليّة، واجتماعيّة. وبسبب الأزمة الاقتصادية الحادّة التي شهدها لبنان، باتت تغطية النفقات بالنسبة إلى عددٍ كبير من سكان طرابلس أمرًا شبه مستحيل، ونذكر منها بدلات الإيجار ومصاريف السكن. منذ بضعة شهور، أتت إلينا أرملةٌ تتولّى تربية أطفالها. كانت خائفة ويائسة لأنّ مالك المنزل حيث تسكن هدّدها بالإخلاء القسري لعدم تسديدها بدل الإيجار الذي كان قد رفع قيمته بقرارٍ فردي.
يمنح قانون الإيجارات في لبنان المستأجرين/ات حقوقًا تتخطى حقوق المالكين/ات، فتبقى قيمة الإيجار كما اتُّفِقَ عليها عند ابرام العقد في حال كان العقد قد أُبرِم قبل عام 1992. لكن بالنسبة إلى العقود المُبرمة بعد عام 1992، على غرار عقد هذه السيدة، فيمكن لمالك العقار تغيير قيمة الإيجار كلّ ثلاث سنوات، وله الحق في إخلاء المستأجرين بعد فترة شهرين من إرساله إشعارًا لهم. بالإضافة إلى ذلك، منحت جائحة كوفيد-19 والصعوبات الاقتصاديّة امتيازاتٍ إضافيّة للمستأجرين، وتالياً لا يحقّ لمالك العقار الذي تسكنه هذه المرأة رفع بدل الإيجار، حتى ولو انتهت صلاحية العقد. وبناءً على كلّ ما سبق ذكره، قدّمت نقابة المحامين في طرابلس للسيدة الدعم القانوني اللازم فبقيت وأطفالها في منزلهم من دون أن تُضطرّ إلى الإخلاء، وذلك مقابل بدل الإيجار عينه الذي اتُّفِقَ عليه عند إبرام العقد. على هذا النحو، استطاعت المرأة مواجهة المالك بسلاح القانون، وغدت أقوى، وأكثر وعيًا بشأن حقوقها، وبالتوازي مع ذلك، لم يستطِع المالك أن يستخفّ بقدراتها وأن يخيفها بتهديدها على نحو غير محقّ.
تعترف المادة 7 من الدستور اللبناني بحقوق الإنسان ولا تميّز بين الرجل والمرأة. ومع ذلك، في وسع القانون الصحيح في حال وضع في اليد الخطأ أن يؤدّي إلى حكمٍ جائرٍ من شأنه أن يميّز ضدّ بعض الأشخاص على أساس النوع الاجتماعي أو الثقافة أو الخلفية الدينية. في لبنان، تؤدّي الثقافة والعادات والبنى السياسيّة دورًا مهمًّا في تطبيق القوانين. على سبيل المثال، ومن الناحية النظريّة، ما من سبب يمنع امرأةً من أن تصبح رئيسة للجمهوريّة، لكن نظرًا لكيفيّة تطبيق القوانين، يصعب تخيّل امرأة في مثل هذا المنصب. إنّ معرفتي العميقة بالمعاهدات والاتفاقيّات الدوليّة التي وقّع عليها لبنان واعتمدها ساعدتني في الدفاع عن قضايا حقوق المرأة في المحاكم والمجالس القانونيّة. والجدير بالذكر أنّه على المحامين والقضاة والمشرّعين أن يكونوا أكثر وعيًا بالمعاهدات والاتفاقيّات الدوليّة مثل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة وإعلان ومنهاج عمل بيجين خلال النضال من أجل إصدار التشريعات أو أثناء العمل على قضيّة ما. وعلى الرغم من أنّ بعض هذه الوثائق المتّفق عليها ليست إلزاميّة، إلا أنّ لبنان وافق عليها وبالتالي عليه الالتزام بها.
يحتاج عددٌ كبيرٌ من القوانين اللبنانيّة إلى تعديلاتٍ كي يتماشى مع معايير حقوق الإنسان. أعتقد أنّ إرساء عدالة أكبر للنساء والفتيات لن يتمّ إلّا عبر الالتزام بإقرار قوانين جديدة تتماشى بشكلٍ وثيق مع مبادئ حقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين. عندها سنتمكّن أكثر فأكثر من حماية حقوق الإنسان بغضّ النظر عن النوع الاجتماعي أو العرق أو الخلفيّة الاجتماعيّة والاقتصاديّة."
أُطلِقَ مشروع "تعزيز المساعدة القانونية والوصول إلى العدالة في لبنان" في حزيران/يونيو عام 2020 ومهّد طريق الوصول إلى العدالة لـ 163 امرأة لبنانيّة وغير لبنانيّة مهمّشة. زُوِّدَت النساء بالدعم القانوني والخدمات المتعلّقة بقوانين الأحوال الشخصيّة، والعنف القائم على النوع الاجتماعي، وغيرها من القضايا المتعلّقة بالنوع الاجتماعي.
يُنفّذ مشروع هيئة الأمم المتحدة للمرأة هذا بالشراكة مع نقابة المحامين في طرابلس وبتمويلٍ سخيّ من حكومة هولندا.