على لسان غدير حوماني: «لنتطلّع الى المستقبل بتفاؤل كي نستعيد حياتنا»
التاريخ:
من بلدة حاروف في قضاء النبطية، تحدّثت رئيسة جمعية "روح العمل الاجتماعية"، غدير حوماني، إلى هيئة الأمم المتحدة للمرأة من مكتبها، حيث لا تزال آثار الزجاج المحطم والأبواب المكسرة شاهدة على الفظائع التي مرّت بها المنطقة. غدير، البالغة من العمر 45 عامًا، وأم لطفلين، حاصلة على دكتوراه في المهارات والقيادة الحياتية، ومدربة متخصصة لدى العديد من المؤسسات الاجتماعية. نزحت غدير وعائلتها أثناء النزاع إلى منطقة الجيّة، وما أن توقف القصف، حتى التحقت بأوائل العائدين/ات، حيث استأنفت العمل في جمعيتها، وواصلت ما بدأته في مراكز النزوح في الجية.
«كغيري من النازحين/ات، كنت أشعر دائمًا بالشوق لعائلتي وأقاربي وجيراني ومنزلي. كنا جميعًا في حالة من الصدمة الكبيرة، التي جعلتنا غير قادرين على القيام بأي مبادرات خلال الأيام الأولى. ولكن بعد فترة وجيزة، شعرتُ بحاجة داخلية ونفسية للقيام بأمر ما، وتبديل هذا الواقع الجديد الذي لم أستطع تقبّله، ورفضت أن أبقى عاجزة أمامه. كان أطفالي دافعاً مهمًا جعلني أبذل كل ما بوسعي لاستعادة حياتي الطبيعية والمضي قدمًا.
أطلقتُ مبادرة اجتماعية تطوعية بالتعاون مع البلدية والمشرفين على مراكز الإيواء في المدارس. بدأت بتقديم الدعم النفسي والاجتماعي لكل من يرغب/ترغب في الحصول عليه، وخاصة النساء. قمت بتنظيم جلسات فرديّة وجماعية استمعت فيها إلى آلامهم/ن ومخاوفهم/ن وقلقهم/ن حيال المستقبل. كنت أسعى دائمًا من خلال الاستماع إليهم/ن والتحدث معهم/ن وإشراكهم/ن في الأنشطة إلى تشجيعهم/ن على التغلب على هذه المشاعر وعدم الاستسلام لها، مع إصراري على ضرورة أن ينهضوا/ن من جديد.
خلال تلك الفترة، قامت الجمعية بتوثيق العديد من حالات العنف القائم على النوع الاجتماعي، حيث واجه كل من النساء والرجال مشاكل أسرية. نظمنا جلسات لمساعدتهم/ن في التعامل مع هذه التوترات، خاصة وأن العديد منهم/ن لم يواجهوا/ن مثل هذه المشاكل من قبل، ولكن الضغوط الاجتماعية والاقتصادية أدت إلى ظهور مثل هذه التوترات.

شهدنا استجابة كبيرة، حيث تمكنا من مدّ جسور الثقة المتبادلة في مساحة آمنة، ساعدت النساء على التعبير عن مشاعرهن والبكاء حتى، وهو ما يساعد في كثير من الأحيان على تخفيف أعباء الحياة وتحقيق الراحة النفسية. إن رؤية النازحين/ات، وخاصة النساء، يعانون/ين من الوحدة الشديدة، وفقدان الروابط التي اعتادوا/ن عليها في بيئاتهم/ن ومجتمعاتهم/ن، كان أمراً مؤلماً للغاية.
وأكثر ما افتقدته في تلك الفترة المُظلمة هي الحياة الطبيعية التي كنا نعيشها، سواء داخل الأسرة أو في مجتمعاتنا، والتي بدأنا الآن باستعادتها تدريجيا. لقد عدنا لممارسة أنشطة الجمعية وتقديم المساعدات.
نعمل حاليًا على تقييم الوضع في المناطق الأكثر تضررًا استعدادًا لتوزيع المساعدات، وكل ذلك بتمويل من الأصدقاء والمؤمنين بروح الجمعية التي تقوم على مساعدة ودعم الناس، بغض النظر عن طائفتهم أو عرقهم أو دينهم أو موقفهم السياسي. وفي هذه المرحلة، يجب أن نعطي الأولوية لقضايا مثل التدفئة، ودعم موسم الزيتون الجنوبي، وتأمين المساعدات الطبية الأساسية.
سوف نواصل عملنا مهما كانت العقبات. نستعد الآن لإطلاق العديد من المشاريع، سواء بشكل فردي أو بالتعاون مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة. بالإضافة إلى ذلك، سوف نسستكمل الورش المهنية المتخصّصة للنساء التي بدأناها قبل النزاع، مثل الخياطة والحياكة، والتي تُعلّم النساء حرفة أو مهنة معينة، مع منحهن شهادات تمكّنهن من البدء بمشاريع مستقلة مدرة للدخل، تساعدهن على إعالة أنفسهن وأسرهن، وتمنحهن قدراً من الاستقلالية.
أؤمن بأهمية دور المرأة وتأثيرها في المجتمع. فالمرأة اللبنانية ناجحة وقوية وقادرة وداعمة. لقد عانينا جميعًا وما زلنا نعاني، ولكنني أحثُ النساء على عدم الاستسلام، رغم الإرهاق الذي يعانين منه.
ما حدث أصبح من الماضي، وعلينا الآن أن نتطلّع إلى المستقبل بتفاؤل كي نستعيد حياتنا من جديد، وذلك من أجلنا ومن أجل أطفالنا ومن أجل جميع أفراد المجتمع».